في رحاب القرآن - مهرجان ختم تفسير القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤العطفاوي، فالشيخ الحاج إبراهيم الابريكي، وأظهر منذ سنيه الأولى ذكاء حادا وحافظة قوية ونشاطا جما، وغراما متزايدا للتحصيل والمعرفة، وهو ما خوله أن يستظهر كتاب الله حفظا وهو في الثانية عشرة من عمره
وبعد وفاة شيخه الابريكي، انتقل الى شيخه الحاج عمر بن يحيى الذي لازمه ملازمة مستمرة وآثره شيخه من بين تلامذته لما رآه فيه من مخايل النجابة والاجتهاد، والاخلاص، فكان صفيه في حله وترحاله يطالع له الكتب، ويقرأ عليه الدوريات التي كانت تصل الشيخ الحاج عمر من المشرق العربي وتونس يتبعان من خلالها مجريات الاحدات التي كانت تهز العالم الاسلامي قبيل الحرب العالمية الأولى وفي اثنائها.
غير أن وباء (التيفوس) الذي داهم القرارة في سنة (1921) حصد كثيرا من العلماء ومن بينهم شيخه الحاج عمر بن يحيى، فوجد الشيخ بيوض نفسه في الصف الأول والمكان شاغرا، فما كان من ابن العشرين ربيعا الا أن تحمل الامانة باخلاص وتلقف راية الاصلاح بشجاعة، واستطاع لمواهبه و لشخصيته أن يفرض نفسه على حلقة العزابة الهيئة الدينية في سنة 1922 م ليصبح أحد أعضائها اللامعين. وما لبث أن برزت شخصيته في هذه الحلقة، فأسندت اليه مهمة القيام بدروس الوعظ والارشاد بالمسجد ومن ثم توجه الى الاصلاح الديني والاجتماعي بحماسة وذكاء، وكان على الشاب المتحمس الذي آمن بأفكار محمد عبده الاصلاحية، ورأى مآسي الجمود الفكري والتزمت المقيت أن بدأ باصلاح الهيئة الدينية بتطهيرها من عناصر الجمود والتخلف الفكري، ولقي في سبيل ذلك عنثا كبيرا، وتعرض لمحاولة الاغتيال عدة مرات، وأدرك بحسه الاصلاحي، واطلاعه على الحركات الاصلاحية في العالم، أنه لا بد من وضع خطة عملية طويلة النفس تحول المسجد الى منارة
الاسلامي.
اشعاع تمد الناس بالنور في جميع مناحي حياتهم الدنيوية منها والاخروية
فما كان منه الا ان حول المسجد الى (جامعة شعبية) لا يقتصر فيها على الوعظ والارشاد وحدهما وانما يقدم فيه أطايب المعرفة الاسلامية مبسوطة على مائدة القرآن
الكريم وسنة النبي محمد الله وهكذا راح يعرض مشاكل المجتمع.
يعايش المسلم في حياته اليومية
المعيشة على القرآن الكريم فجعل القرآن
مع
صحيح
وخصص لذلك ساعات مناسبة يشهدها الناس من كل طبقاتهم عامتهم وطلبتهم، فهي بعد صلاة الفجر مباشرة أو بين الظهر والعصر، أو بعد صلاة العشاء وغالبا ما كانت في هذا الوقت الذي يجتمع فيه أكبر عدد ممكن من المستمعين، وكانت هذه حاله القرآن الكريم الذي بدأ تفسيره في ماي سنة 1935 وختمه في فيفري من سنة 1980، خمسين سنة كاملة عاشها مع كتاب الله تحليلا وشرحا وتفسيرا وأحسب أن حرص الشيخ بيوض أن يجعل من المسجد مدرسة تربي المسلم الصحيح وتنقي عقيدته من التعصب المقيت، والنظر الضيق، هو الذي دفع به الى شرح البخاري في مدى أربعة عشر عاما فقدم بذلك الدليل العملي حين تجاوز بعض الذين يقفون عند حدود الكتب المذهبية لا يتعدونها كما اتخذ من المسجد وسيلة لمقاومة التقاليد البالية والخرافات التي كانت ما تزال تعشش في أدمغة الجاهلين والجاهلات من جراء التعلق بحرفية النص، أو التشبث بمدلول انا وجدنا أباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون وكان حريصا على أن يكون المسجد هو الصوت الدواي في المجتمع، والمنارة التي تشد أنظار المسلمين فتجتمع قلوبهم حولها وبذلك أشرف المسجد على تنظيم المجتمع وتوجيهه، فكان يأخذ بأيدي الناس الى طريق الاسلام الصحيح في أمورهم الدينية والدنيوية معا، في الاعراس والمآتم، في السوق والمتجر، في الحقل والمصنع، في الشارع والمدرسة، وأعطى نظام الولاية والبراءة» هيبتها وفعاليتها، فطأطأ الحكام المحليون عملاء عهد الاحتلال رؤوسهم
أمامها وكانت وسيلة ناجعة لتنفية المجتمع من الفساد والانحلال والانحراف والى جانب اهتمامه بالمسجد اهتم بالتعليم أيضا واعطاه كل ما يملك من جهد ووقت، فقد نظر في حال الامة وما تتخبط فيه من انحطاط وتخلف، فلم يجد دواء بذلك الا في تنشئة جيل متعلم، فما كان منه وثلة من أصحابه المخلصين من أمثال الشيخ أبي اليقظان، والشيخ عدون شريفي (سعيد) الا أن يبحثوا عن طريق للخلاص ينظر الى المستقبل البعيد ويتحاشى الاستسلام لمكائد الخصوم من اعداء
الاصلاح، فجرى بين المصلحين نقاش دام أياما حول الوسيلة الاصلاحية المفضلة
أهي التعليم بانشاء المدارس الحرة، أم الصحافة لتوجيه الرأي العام؟ وتوصل المصلحون أخيرا الى اعتماد الطريقتين، وتعاهد كل من الشيخ بيوض والشيخ أبي
- 7 -
،
- 6 -