في رحاب القرآن: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القسم الأول: مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم مجموعة مؤلفين

في رحاب القرآن - مهرجان ختم تفسير القرآن

الجزء ١ · صفحة ٥

اليقظان على استخدام الوسيلتين على أن يتفرغ الشيخ بيوض للتعليم، ويتفرغ الشيخ أبو اليقظان للصحافة

وهكذا نشأ معهد الحياة الثانوي بالقرارة في ماي من سنة 1925 م وظهرت جريدة وادي ميزاب بالعاصمة في اكتوبر من سنة 1926

ومن توفيق الله لحركة الاصلاح بقيادة الشيخ ابن باديس والشيخ بيوض وغيرهم أن تصدر جريدة «المنتقد» في جويلية من سنة 1925 لتكون المنتدى الادبي الذي تجمعت حوله الاقلام الاصلاحية لمحاربة الانحراف الديني والفساد الاستعماري ومن عجيب التلاقي الاصلاحي بين شمال الوطن وجنوبه ان يكون النقاش الذى دار بين المصلحين في الجنوب حول أفضلية الصحافة أو التعليم، هو النقاش نفسه الذي دار بين المصلحين في الشمال حول الابتدار الى المدارس الحرة أو الابتدار الى الصحافة الوطنية ويكون الاتفاق الى استخدام الوسيلتين هو الاتفاق نفسه الذي توصل اليه المصلحون في الجنوب أيضا، ومن توفيق الله أن اهتدى الشيخ بيوض ومن معه الى تأسيس معهد الحياة الثانوي الذي ظل يخرج الاجيال المتعاقبة حتى يومنا هذا، فكان بذلك أول معهد ثانوي يؤسس في القطر الجزائري بطريقة عصرية، وقد تكون بين أحضانه وما يزال، العديد من العلماء، والاطباء والمهندسين، والمحامين والكتاب، والشعراء، والاساتذة الذين انبثوا في أنحاء القطر الجزائري وخارجه

ومن توفيق الله أيضا أن تتلاقى قوى الحركة الاصلاحية في اطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ماي من سنة 1931 فقد انتخب الشيخ بيوض في ادارتها الأولى وكان نائب أمين المال بها، ثم أعيد انتخابه للمرة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية وكانت مهمة هذه الجمعية قيمة لا يقدر قدرها الا المطلع على ما كان يسود الجزائر المستعمرة من خلافات مذهبية، واحن طائفية، وقد استطاع العلماء الرواد بجهودهم المضنية، وحكمتهم اليقظة أن يقضوا عليها، رغم محاولات الاستعمار المتعددة لا يقادها ومدها بالحطب الجزل، حتى يتسنى له بذلك ان يجهض هذه الحركة، ويصيب الوحدة الوطنية بالتصدع. لقد تضافرت عدة خصائص على جعل الشيخ بيوض مهيبا، مسموع مؤثرا، يجمع القلوب حوله فيستمع الناس له واثقين من عمله وتقواه وذكائه وتجربته وأحسب أنه من أبرز هذه الخصائص ما أتاه الله من فصاحة لسان سواء أكان

الكلمة

يخطب باللغة العربية الفصحى التي تغلب على خطبه، أم باللهجة الدارجة التي تأثر فيها بلهجة البدو من أولاد نائل وهي تقترب قربا شديدا من الفصحى، ولا سيما اذا كان الكلام موجها الى العامة البسطاء حيث يتطلب منه التفسير والتحليل أو التوجيه والتوعية

وقد يستمر به المقام خطيبا أو واعظا عدة ساعات لا يتلجلج له لسان، أو يضعف له صوت، والناس أمامه يتابعونه باعجاب لتدفقه البلاغي، وسعة علمه، ووضوح طريقته وفصاحته تلك ترفدها حافظة قوية، وخاطرة حاضرة، تستمد من القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة، والامثال العربية والحكم، والشعر، ومن خلاصة تجاربه في الحياة ومعاشرته للناس، ومطالعاته الكثيرة المتنوعة

أما الخصيصة الاخرى فهو جمعه الى أصالة ثقافته الاسلامية تطورا وتجديدا، مستمرين، فقد كان من أبرز صفاته متابعة الاحداث العالمية عن كتب، حريصا على قراءة الدوريات الوطنية والعربية، مواظبا على اقتناء ما يظهر في عالم المكتبة العربية من كتب جديدة، وكان يوصي طلابه وابناءه دائما على ان يجعلوه على صلة بالانتاج الفكري الجديد، وكانت الكتب من آثر الهدايا عنده وأحسب أن حرص الشيخ بيوض على المطالعة اليومية المستمرة هي سر من أسرار تبحر علمه وسعة أفقه، فقد كان يخصص للمطالعة أوقاتا ويتخذ من ابنائه الطلاب من يقوم بهذه المهمة ولا سيما عندما أصيب بمرض في عينيه بعد أن تقدمت به السن ومن ثم كان ابناء القرارة بخاصة والعارفين للشيخ بعامة يغتنمون فرص المناسبات والاعياد للتزود من معينه، حيث يفدون من جميع أنحاء القطر للاستفادة منه لاصلاح دينهم ودنياهم، والعجيب في الأمر أنك ترى في مجالسه المستمعين من جميع المستويات الفكرية فترى العامي البسيط بجانب حملة الشهادات العليا وكل يغرف من بحره حسب مستواه الثقافي والفكري وندرك التصدي للمحاولات الاستعمارية من خلال مقالات المصلحين بعامة، ونجد نموذجا لها في المقالات التي كان يكتبها الشيخ بيوض وينشرها في صحافة أبي اليقظان ما بين (1926 - 1939) الأمر الذي يفسر لنا الالحاح الذي تقرؤه في هذه المقالات على الوحدة الوطنية والتضامن الاسلامي، واليقظة للافكار الدخيلة التي تحاول النيل من

_9_

_8_