في رحاب القرآن - مهرجان ختم تفسير القرآن
الجزء ١ · صفحة ٧٤كتابه في عليين، واخلفه في أهله في العابرين، ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، انه ابي الروحي ومربي الخاص واستاذي الذي حباني بحبه، واصطفاني من بين الآف أبنائه، وكتب الله لي أن أعيش في رحابه قرابة عقده الأخير من حياته الطيبة فسلام عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حياً حياً رحم الله مربي الخاص، أحلنى منه مكان نجوى، وقربني إليه زلفى، وفتح لى كل باب ربما أغلقه على غيري، وغمرني بحب وعناية وقال لي مراراً رحمه الله. لست ادري كيف أحللت لك سويداء، قلبي وفتحت لك باب داري، وحظيت بي من دون بقية أبنائي الروحيين، قل إن. الفضل بيد الله يوتيه من يشاء والله واسع عليم، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فإني في حياطته تقلبت، وفي نعمائه تنعمت، وبه ارتفع قدري فبفقدانه عظم الرزء عندي، وطمت الفاجعة أمامي، وبكيت مع من بكاه من المسلمين، ولكن بكيت أكثر مما بكوا، بكيت الاب الرحيم، فإنه رحمه الله لم يقل لى قط لعمل عملته لم عملته، او تركته لم تركته، بكيت الاستاذ الجليل، الذي لقننى أغلى دروس الحياة وأعلى معاني البطولة والزعامة والجهاد، بكيت المحب الوافي، مهذب روحي، ومعلي شأني، ونعمتي، اللهم أغفر لأبي الشيخ بيوض وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه العابرين، واغفر لنا وله يارب العالمين، وافتح له في قبره ونور له فيه، اللهم عندك احتسب مصيبتي، فأجرني فيها وابدلني بها خيرًا ولعل الله الذي وسعتك رحمته، وأوتك جنته، قد وفقني إلى نيل مرضاتك وإلى الوفاء لبعض إحسانك، عسى الله أن يستجيب لي دعواتكم الخالصة، فيوفقني في الدنيا وفي الآخرة، وقد تركتنا يا شيخنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، رفعت كلمة الله عالية ونشرت دينه، وتتبعت سنن خاتم النبيئين أفضل الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فشذبت لهذه الأمة أمر دينها ومهدت لنا سبل الفلاح، ورسمت لنا معالم الطريق، وتركتنا على طريق، محفورة إلى الركبة لا يمكن الخروج منها إلا بالوثبة، رحمك الله إنني لست بصدد عرض صفحات جهادك المقدس، فالقريحة كليلة، والقلم حرون، والقوس أولى بها باريها من أبائي الروحيين أساتذتي الأجلاء، وما أظن هؤلاء يبلغون الإيفاء بهذا التاريخ الحافل، ولو تكلموا في مآثرك طول الحياة، فقد احصاه الله ونسوه. بين أحضانك يا شيخي عرفت معنى الحياة، وخطيت بنعم لا أجدها بعدك أبداً، جاورت جنبك مدة من
،
الدهر، وصاحيت في جوارك الكتاب، فقرأت عليك الكثير الكيثر، من نفائس الامهات ومختلف المقالات والمجلات، فقد كنت شغوفا بالقراءة، فرغم كبر السن واشتداد المرض لم تهاجر الكتاب قط، وكثيراً ما سمعتك تقول، وخاصة في سنيك الاخيرة، إنه لم يبق لي لذة في حياتي سوى السماع للمطالعة، خاصة بعد أن لزمت البيت حين ضعف الجسم، وتقلص دم الحياة في الشرايين، وبلغت من الكبر عتيا واشتعل الرأس شيبا، وشعرت بثقل الثمانين التي بلغتها، وأطت بجلائل الأعمال، وحق لها أن تئط، ومع ذلك والحمد لله تمتعت بقوة الذاكرة، وفصاحة اللسان، فلم يضعف لك عزم، ولم تلن لك شكيمة، بل قرت عينك بثمرة حصادك فرأيت أبناءك الروحيين، من تلاميذك البررة - سدواكل فراغ وقاموا بكل واجب، وحملوا راية الجهاد، ورأيتها حفاقة في أيديهم، وهم أبناؤك الذين ربيتهم، على الفضيلة والتقوى من أول يوم، وعلى حب الوطن والتفاني في العمل المتواصل المثمر فكونت منهم عمرا ثانيًا فلك أجرهم وأجر من عمل بعملهم إلى يوم القيامة. وكم كنت تزودهم بالنصائح الغالية، وتدعو لهم بأخلص الدعوات، وتلقن لهم مبدأ جهادك الطويل، وهو أن عملنا خالص الله يجب أن نبتغي به مرضاة الله، فديننا الاسلام القويم، ووطننا الجزائر الحبيبة، ولغتنا العربية الغالية، وبذلك جمعت الناس على كلمة الاسلام، والعمل الصالح وسعيت في تحقيق حرية الجزائر، وتوحيد ترابها، وأشعت في الناس نور العلم، وحب العربية، وفتحت المدارس، والمعاهد، في أحلك ظلمات الظلم والاستبداد والطغيان وبذلك محوت الامية من الوسط الاجتماعي، ونحن الآن نتمتع بما أعددت لنا ونجني ثمار ما غرست وسقيت من زكي العرق وغالي الاوقات، رحمك الله شيخنا الجليل بقدر ما اسديت لنا من خدمات، فقد رفعت كلمة الله، وايقظت نفوسنا وآثرت روح الاخاء بين المسلمين، وعشت ورأيت ثمرة جهادك، فتجافيت عن دار الغرور، وأنبت إلى دار الخلود، واستعددت للموت كامل الاستعداد، فنمت راضيا مرضيا، فطوبى لك طوبى، وفقنا الله نحن الشباب، لننهج نهجك، ولنعيش في نور الاسلام، ولنتغدى من فيضك العذب، ولننهل من آثار تاريخك الحافل، وان وأنت منعم في روضتك، فلنحمل الرسالة ولنسر في الطريق صابرين ثابرين مع الكرام الذين صادقوا ما عاهدوا الله عليه، حفظهم الله
هذا عهد نعاهدك الله
أحياء ورحمهم أموتاً
به، وأنت
- 147 -
146 -