الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٨دراسة الباروني في معهد أطفيش
درس سليمان الباروني في معهد الشيخ القطب محمد بن يوسف أطفيش في بني يزقن (يسقن). أثناء دراسته أثرت عليه البيئة بما فيها من أناس جديين وطبيعة صحراوية متقشفة وتقاليد اجتماعية تميل إلى الخشونة والصرامة. ولا ندري ما الذي جعله أو جعل والده يختار له وادي ميزاب أو الشبكة، كما تعرف في التاريخ السياسي. هل هو البعد عن الإدارة العثمانية التي كانت يدها تمتد إلى الجبل الغربي أو قبيلة نفوسة، وكانت ربما تعامل أهل نفوسة معاملة خاصة عرقيا ومذهبيا. أما بنو ميزاب فمعترف لهم بأحوالهم الشخصية الخاصة وبحقهم في الاحتفاظ بتقاليدهم التاريخية تحت الإدارة الفرنسية، وكانوا بحكم المنافسة بين الدولتين، يستطيعون أن يطالبوا بحقوق منصوص عليها في اتفاق بينهم وبين الفرنسيين غير أن هؤلاء افتكوها منهم تحت شعار توحيد البلاد (الجزائر) التي تعتبرها فرنسا أقاليم فرنسية.
لم يكن الشيخ اطفيش مرجعا فقط في المذهب الإباضي وإنما كان أيضا في الشؤون السياسية التي تهم فرنسا وبني ميزاب لذلك كان الفرنسيون يستشيرون الشيخ أطفيش، ويسمحون له بالحج وزيارة بعض أصدقائه، وقبول الهدايا والأوسمة. فقد نال في هذه الأثناء أوسمة رسمية من الفرنسيين ومن سلطان بني عثمان ومن حكومة تونس تقديرا لعلمه ومكانته (1). ولا ندري مدى تأثر الباروني بشيخه في ممارسة السياسة والجمع بين العلم وخدمة الأمة الإسلامية. فقد أنشأ الباروني عدة مشاريع تحسب في ميزان الزعامة والتمهيد لصعود نجمه في مصر وليبيا والدولة العثمانية كالمطبعة البارونية، وتعاطي التجارة وتأسيس جريدة الأسد الإسلامي، وطبع كتب التراث الإباضي مثل
(1) عن ذلك انظر كتابنا تاريخ الجزائر الثقافي ج 3، ط. عالم المعرفة، بيروت، 2011 م، ص 264.
83 -