سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

سمحت سياحته في الجارتين تونس ومصر ووادي مزاب بالجزائر بتقوية انتماءاته الإباضية المتولدة لديه بالوراثة في الأساس، كما أكسبته رحلاته الأخرى في أصقاع العالم الإسلامي توجهه العثماني حيث كان تسوحه في الحواضر الإسلامية مختبراً أظهر الحاجة لبروز الهوية الإسلامية لكونها أداة ضاغطة للناشطين السياسيين للخلاص من الاحتلال الأوروبي ().

،وهكذا كانت هذه النمطية من الاتجاه السياسي المتوضع في دولتي الجوار القريب وامتداداتها في البلدان الإسلامية البعيدة مسؤولة عن تشكل الوعي بالكيان العثماني لديه في ارتباط بالهوية الإسلامية، فقد أوحت إليه زياراته إلى تونس بفكرة التدرج في العمل الاجتماعي كأداة ناجحة للتغيير في البنية المحلية في ظل تصوراً رحب لإدماج الأقلية الإباضية واستيعابها، وإفساح المجال لها للمساهمة بإيجابية في تفاعلات المجتمع الإسلامي ويضمن لها حقها في صنع تاريخها وبناء مؤسساتها وترسيخ نفوذها (2).

وتحيل المتابعة الدقيقة لأفكاره وآرائه المنشورة في جريدته الأسد الإسلامي عام 1907 م، وجريدته الأخرى المسماة الباروني 1920 م، وفي الصحافة العربية في مشرق الوطن العربي ومغربه إلى الكشف العميق لتصوراته السياسية لمفهوم الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية، والمسألة، الإباضية، والخلافات والصراعات الأهلية، وعوائق تطورها وطرائق إنجاحها، والمفترق والمتفق في ما بينها، وهو ما يكشف عن إمتلأ وفاضة بفكر سياسي حديث يعتمد الإصلاح وينادي بالتغيير والتطوير، ويطرح أفكار المشاركة السياسية أمام بعض الفئات والطبقات الاجتماعية في حدود تصوره لمبدأ الشورى في الحكم الإسلامي الذي يختص به أهل الحل والعقد، أما العامة فيجب تجنيبها ميدان المشاركة السياسية، ويعبر

(1) سليمان الباروني: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، القاهرة: المطبعة البارونية، 1325 هـ، ص 12. (1) عفاف أحمد الباشا المؤرخون الليبيون في القرن التاسع عشر: دراسة في الثقافة والمنهج، بيروت: دار المدار الإسلامي، 2008 م، ص 176.

-218 -