سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٣

ولعل ما سبق يقودنا إلى البحث في المنطلقات الفكرية التي أطرت رؤية سليمان الباروني إلى الآخر الأوروبي باعتباره عدواً كافراً، لا يمكن أن يواجه إلا بالعودة إلى الدين على نهج السلف الصالح، ويرى أن قوة العدو المحتل قمينة بأن تقهر، ويقع تجاوزها بإقامة تعليم يصون للغة روحها ويحفظ للثقافة أصولها ومكوناتها العربية الإسلامية، فهل تم تفكير سليمان الباروني في موضوعات الوحدة الإسلامية بعقل ما ضوي تراثى إسلامي ويتحرك ضمن اشكالياته؟ أم اعتمد تفكيره الإطار المرجعي للمركزية الأوروبية الحديثة؟

يكشف الاستقراء التاريخي انشداد الباروني إلى النموذجين معاً إذ بقدر ما شكلت التجربة العربية مصدره الفكري، بقدر ما استهوته بعض المظاهر المشرقة في الفكر السياسي الأوروبي، مثل: الديمقراطية والدستور، والحريات والصحافة، وهي الازدواجية التي يمكن أن نعاينها في أكثر من سياق ومقام في

كتابة الباروني وإنتاجه الفكري (1).

وفي

أثناء الحرب العالمية الأولى (1914) - (1918 م) لعبت فكرة الجامعة الإسلامية مرة أخرى دوراً مهماً في سياسة سليمان الباروني تجاه الدولة العثمانية، حيث عول سليمان الباروني عليها في حشد المؤيدين للحرب المقدسة التي يتزعمها، بينما كانت الفكرة ذاتها أداة لخلق الولاء العميق للدولة العثمانية لدى الأهالي في الولاية دعماً لحربها مع الدول الأوروبية، فأقنعت سليمان الباروني بالرجوع إلى الوطن بعد أن اضطر للهجرة إثر معركة جندوبة يوم 23 مارس 1913 م، كما سبقت الإشارة، وكان سليمان الباروني ممن يولي أهمية كبرى للاشتراك في حروب الدولة العثمانية، وإزاء ذلك تبناه الباب العالي للمناداة بالجامعة الإسلامية في ليبيا عام 1916 م، وعُين والياً على البلاد الأمر الذي عزز من وضعه السياسي والاجتماعي بين بقية الزعماء وفي أوساط المجاهدين،

(1) الأزهار الرياضية، ص 75 - 77.