الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠أولا: محطات في حياة الباروني
ينحدر سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني من إحدى السلالات العريقة المعروفة في سلطنة عُمان بالبروانية. وقد هاجر آباؤه الأوائل من موطنهم الأصلي نحو إفريقيا في القرن الرابع الهجري، وحطوا رحالهم بجبل نفوسة بليبيا، وهناك عرف الناس لهم أقدارهم بما لمسوا فيهم من التقوى والورع والتبحر في العلم والصلاح والشمائل الحميدة فأحلوهم من أنفسهم محلا رفيعا، وشهد التاريخ نبوغ عدد كبير منهم في مختلف مجالات العلم والحكم: " إن المطالع يرى سيرتهم كسيرة الصحابة والتابعين لا تعاظم ولا تكبر، مع العفة التامة والعلم الغزير، والاعتناء بالدين، والعدل كتاب الله، حجتهم، وسنة الرسول دليلهم، وآثار السلف الصالح منهجهم، إن جلسوا للحكم عدلوا، وإن تصدروا للتعلم أجادوا وأحيوا، وإن قاموا للدفاع عن وطنهم وملكهم أبلوا ونصروا، وإن بسطوا أيديهم للإحسان أغنوا، وإن شمروا للعبادة صاموا النهار وفي الليل تهجدوا (1).
وقد ورث سليمان الباروني عن هذه العائلة الشريفة كرم النسب ومتانة الدين وحسن الخلق وعلق الهمة التي أشرف والده على غرسها فيه وتنشئته عليها، ولقنه إلى جانب ذلك أصول الشريعة وقواعد العربية حتى شب عن الطوق وأبدى استعدادا خاصا لتحصيل العلم، وذكاءً وقادا، وقدرة كبيرة على الاستيعاب والحفظ، فأراد والده لهذه المواهب أن تتفتح في فضاء واسع، وأن تجد مجالا حيويا رحبا لتنمو وتنضج فأرسله إلى جامع الزيتونة بتونس والذي كان في ذلك الوقت منارة إشعاع علمي يضم نخبة ممتازة من علماء الأمة القلائل في زمن ركدت فيه حركة العلوم واستنام المسلمون إلى الخمول والجمود وتفشت بينهم الأمية وقعدوا عن طلب المعالي. وفيه جلس إلى كوكبة من الشيوخ المتميزين وأخذ عنهم، ولبث يغرف من معين العلم هناك لمدة خمس سنوات، أحس بعدها
(1) أبو اليقظان الحاج إبراهيم سليمان الباروني باشا في أطوار حياته الدار العمانية. 1376 هـ / 1956.
م، ج 1، ص 6.