الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣١أن نفسه ما زالت تتوق إلى المزيد فيتم شطر الجامع الأزهر الذي استكمل في أروقته رحلته العلمية ومكث فيه ثلاث سنوات، أما رحلته العلمية الثالثة فقد كانت باتجاه وادي ميزاب حيث الشيخ محمد بن يوسف اطفيش زعيم المذهب الإباضي آنذاك بلا منازع، وقد أقام الباروني في جنوب الجزائر ثلاث سنوات متتالية استوعب خلالها علوم شيخه في الشريعة والفقه والعربية وتبحر في المذهب واقتبس من أخلاق أستاذه الذي قربه إليه لما رأى فيه من مخايل النبوغ وخصه بمكانة متميزة بين طلابه، وأفرد له وقتا يعطيه فيه دروسا له وحده دون سائر الطلاب (1)، إذ كان يحبه حبا جما ويعتدّ بصلاحه ونبوغه ويرى له مستقبلا زاهرا وجدوى كبيرة للإسلام والمسلمين (3). وربطته بأهل البلاد من رجال العلم والأدب والفضل والمال علاقات وطيدة، وظلت صلاته بهذه المنطقة متينة لم تنقطع على الرغم من بعد الديار وتقلبات الزمان وما لحق به من الأحداث المروّعة والمآسي
الأليمة.
وبعد أن استكمل رحلته العلمية وقفل راجعا إلى بلاده وجد بانتظاره مفاجأة غريبة غيّرت مسار حياته وقلبتها رأسا على عقب حينما اتهم بخيانة الدولة العثمانية والعمل على فصل ليبيا عنها، الأمر الذي كلّفه قضاء بضع سنين في السجن. وعندما خرج منه بادر إلى القيام بجملة من النشاطات الثقافية والدينية التي كان يأمل من ورائها أن يزيح غشاوة الجهل عن أبناء الشعب ويدخل بهم عصر النور الذي استأثر به الأقوياء وأذلوا به رقاب المسلمين، غير أن ملاحقات السلطة العثمانية ومطارداتها له جعلته يضيق ذرعا بمقامه هناك فيتم شطر القاهرة مرة أخرى، وهناك انخرط في الحياة الفكرية والأدبية والسياسية المصرية التي كانت تطفح بالنشاط، وتعج بالأفكار الإصلاحية. فوجد واقعا جديدا يبشر
(1)
(1)
محمد علي دبوز. نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. المطبعة التعاونية. الجزائر. ط 1 1385 هـ / 1965 م. ج 1 ص 374 المرجع السابق. ج 1 ص 380