سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٢

بالتغيير، وانفتح له فضاء واسع من الحرية فانطلق في أجوائه يعبر عن خلجات نفسه، ويغشى مجالس العلم والأدب والسياسة، ويعقد الصداقات ويقيم العلاقات مع نخبة المجتمع وكبار رجالاته، ويقتحم عالم الصحافة والطباعة ويعبر عن تأييده المطلق للحركات السياسية التي تحارب الفساد والاستبداد من خلال انتمائه إلى الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل.

وقد فجرت الفترة التي قضاها في مصر مواهبه المكنونة وملكاته التي وجدت مجالها الحيوي في تلك البيئة الخصبة التي أخرجت للعلن كل ما كان

يضطرم في نفسه من نشاط وقوة فكرية. وقد عبر عن ذلك بقوله:

نزلنا مصر ذات النيل فيها رجال العلم كالأسد الضواري فعلم مدرسي فاق وصفا وعلم أزهري كالدراري وفيها الحر يبدي كل فكر علانية برابعة النهار بها كل التسامح فهي حقا وأيم الله منبع للفخار

وعندما صدر الدستور العثماني عام 1908 م رشحه أهل الجبل الغربي لينوب عنهم في مجلس المبعوثان العثماني، فذهب إلى الأستانة وبذل جهده لخدمة بلاده التي عانت من إهمال السلطات العثمانية لمدة طويلة عله يرفع عنها بعض أثقال الفقر والجهل الذي أقعدها عن مسايرة ركب الحياة. ثم باغتته القوات الإيطالية التي غزت ليبيا فأمضى سنوات طويلة يقاومها ويحارب جيوشها الجرارة في صبر عجيب متحملا كل الشدائد ومستهينا بكل الخطوب والملمات، طاويا قلبه الكبير على جراح الخيانة والتآمر الخفي الذي عانى منه من المقربين الذين آثروا الدعة والعيش الرغيد فسلّموا إخوانهم المجاهدين للأعداء وخذلوهم في أشد

أوقات المحنة.

6