سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٣

وقد تمخض فشل حركة المقاومة المسلّحة الباسلة التي قادها الباروني

وإخوانه ضد الاستعمار الإيطالي عن إبعاده عن بلاده، فطاف بلاد الدنيا باحثا عن ملجأ آمن بعد أن لفظته تركيا إثر الانقلاب الكمالي وإلغاء نظام الخلافة، لكنه وقع في براثن الاستعمار الفرنسي الذي حاصره في فرنسا ومنع عليه الهجرة إلى أي بلد من بلدان المشرق أو المغرب، ولم يتخلّص من أغلال الأسر إلا بعد أن وصله الإذن من الشريف حسين بن علي لدخول الحجاز لأداء فريضة الحج، ثم توجه بعد ذلك إلى عُمان.

وفي عُمان تألق الباروني مرة أخرى وأبان عن شخصيته القيادية حينما لم يتوان عن السعي الحثيث لإصلاح ذات البين بين السلطان تيمور بن فيصل آل سعيد والإمام محمد بن عبد الله الخليلي اللذين كانا يقتسمان حكم البلاد التي شطرتها المؤامرات الاستعمارية شطرين: الساحل والداخل. كما بذل جهودا محمودة للإصلاح بين الشريف علي بن الحسين ملك الحجاز وعبد العزيز بن سعود وإيقاف الحرب الدائرة بينهما، غير أن الاستعمار الذي كان يحضر للمنطقة مستقبلا يتناسب مع مصالحه ونفوذه أجهض هذه المحاولات ووجه الأحداث نحو خدمة أهدافه الكبرى في المنطقة.

وبعد رحلة استشفائية قادته إلى العراق التي أراد أن يتداوى فيها من حمى الملاريا التي سكنت عظامه، تلقى سنة 1938 م دعوة رسمية من الملك سعيد بن تيمور يطلب منه أن يكون مستشارا له في عاصمة الساحل فلبى الدعوة وبذل من الجهود في إصلاح حال البلاد ما وسعه الجهد، وعمل جاهدا على تنظيم المملكة على الوجه العصري الموافق لروح الشريعة (1) على الرغم من كثرة العوائق وتجدّد العقبات غير أن داء الملاريا كان قد نخر جسمه وهذه هدا، وزاده ضغط الدم العالي ضعفا ووهنا، فكان ينشط تارة ويلزم فراش المرض تارات. وعندما قام

(1) أبو اليقظان الحاج إبراهيم. سليمان الباروني باشا في أطوار حياته. ج 2، ص 28.