سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤٧

كما مر بنا - يسبك الألفاظ في تعابير خلوقة محتشمة براقة، كأنه يصنع عقدا من اللؤلؤ، ليقدمه في آخر الأمر هدية لحبيبته، لكن عقده هذا ظل متكئاً على عمق اللغة النابضة، وأصالة الفكرة الحية، وفي الأمثلة القادمة يتضح لنا إلمامه بفنون الشعر وألوانه، فله في المخمسات أكثر من قصيدة، من بينها تلك التي قالها وهو مسجون في قلعة السرايا الحمراء بطرابلس

لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وبت أشكو إلى مولاي ما أجد أشكوه والدمع يروي كل نابتة والقلب في وجل من كل خائبة لكن تذكرت فعلي بعض واجبة

فقلت يا أملي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد يا من أتى يوسف الرؤيا وأحكمها يا حتى تخلص من سجن ومظلمها وفاز بالأهل والرايات تلثمها (1)

القصيدة تمر معانيها وعباراتها بين الجزالة والمتانة اللتين انفرد بهما شعر الباروني، وأضاف إليهما السلاسة المتمثلة في الألفاظ ذات التراكيب السهلة، التي ميزت أشعار تلك الفترة دون غيرهم احتوت القصيدة على عدد من المعاني الجياد البارعة في إصابة الغرض وجمال التعبير، وهذه خصائص كانت لأشعار الباروني دون سواه.

إن استدعاء قصة نبي الله "يوسف" في الأبيات التي مرت بنا، تتبدى رؤية شاعرنا العامة التي تكشف عن جدوى توظيف مثل هذه الرموز وجدوى استحضارها في القصيدة من حيث أنها مشاركة في إبراز أهم معالم الدلالة وتكوين أبعاد التجربة التي تحاول تجسيد ثقافته الدينية، فهو الشاعر الفقيه. وله أخرى في المدح النبوي وتوسلاً به عليه السلام:

(1) الديوان، 2 ص 177 - 179

-323 -