الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣لقد تحدث الباروني بأسلوب الشاعر الحكيم صاحب التجارب والخبرات فالشاعر في بعض الأحيان لا يرى الأشياء كما هي بالخارج؛ بل يراها كما تتصور له في ذاته فيضفي عليها من انفعاله وشعوره وحكمته ليعيد تشكيلها، مما يجعلها أكثر تأثير في نفوس متلقيها.
إن الوصول إلى الحقائق التي كان يبثها الباروني بين أشعاره يتطلب منا الاهتمام بطرق التعبير وأشكال الأداء الفني عنده، والنتاج الأدبي يعود في بعضه إلى اللغة ومفرداتها قبل أن يكون نسيجاً من الدلالات وكماً من المعاني، ولقد حاولت جاهداً معرفة بعض خصائص الجملة الشعرية عند شاعرنا، فوجدت الأفكار تتكاثف وتتجمع لتخرج للقراء عن طريق مدلولات كثيرة، وتولد بتضافر المركبات اللغوية والبديعية بعضها ببعض، وخروجها على المألوف وقواعد الأداء الشعري المعروفة في بعض الأحيان؛ لتتحقق لها القيم الجمالية التي كان يرسمها
لها صانعها.
إن المتأمل والمتمعن في نتاجه الأدبي يلاحظ أنه يتمتع بشاعرية تصقلها ثقافته وسعة اطلاعه وتهذبها الحكم والأمثال التي في مخزونه الفكري، كما أن له أذناً موسيقية جعلت أحاسيسه قادرة على أن تصوغ ألحاناً شجية، تأسر الآذان، وتسحر الألباب بلغة غاية فى الثراء والأصالة دون أن يسقط شاعرنا في وحل البذاءات والألفاظ النابية، فلم تقع عيني على مفردة قلقة في موضعها إلا لماماً، بل كانت كلماته ملتزمة بأداء الفكرة التي صيغت لأجلها.
إن أشعار الباروني التي مرت بنا في مواضع عدة تستدعي الإشارة إلى مخزون الذاكرة عنده، تلك الذاكرة التي يشكل الدين الإسلامي مفتاحاً لها، لقد بنى شاعرنا قصائده وشكل لحمتها انطلاقاً من تجاربه الحياتية وثقافته الدينية، وهي تجربة أضفت ظلالها الإنسانية على الواقع الشعري عنده؛ ليثبت حقائق أثر
-329 -