سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٦٤

للوقوف في وجه محاولات تزييف التاريخ الإسلامي، وطعن رموزه، ودعا إلى

إنشاء حزب الدفاع عن الدين، وعبر عن رؤيته للوطن الحلم.

جمع بين عمق القضايا الفكرية وجمالية الأدب الإيحائية، من يقرأ الباروني يلفته بعدان في نتاجه: فكري وجمالي، وقد نجح في تحقيق أدبية ما هو فكري، وفكرية ما هو أدبي. فالعلاقة بين الفكر والأدب وثيقة، ويتأثر أحدهما بالآخر، لارتباطهما الكبير. وتكشف كتاباته الأفكار التي عالجها في نتاجه على المستوى الفقهي والديني والتاريخي والسياسي والوطني. واستعان الباروني المفكر الإصلاحي الشعر كأسلوب في التعليم ونشر الأفكار، وكان يؤمن أن الشاعر يخلق باللغة في ميدان الثقافة، معادلاً لما يخلقه الثائر بالعمل في ميدان

الحرب (1).

انتشل الحقيقة من بين أنقاض الماضي العريق، وهو الباذخ الحاضر من خلال أعماله الشامخة، وأيضا من خلال فكره الموسوعي الذي يصول في كل الألوان الأدبية والفلسفية، واستنطق في مشاريعه الفكرية النهضوية قبسات من العلم والفلسفة العميقة، في سياق يجذب المتلقي إلى ضرام عوالم هذه التجربة التي تشكل قيمة مركزية في كتابات هذا العملاق الذي عده علي يحيى معمر أعظم رجل أنجبته ليبيا في عصره، وقال عنه: كان من أفذاذ العالم، لم يعرف التاريخ المعاصر من حارب الباطل بإخلاص كإخلاصه حارب الباطل في جميع صوره وأشكاله، سواء ما ورد منه من منع الجيوش الاستعمارية الغازية أو ما دُس في الفكر والعلم المنحرف، وقد وقف في الميدان كما يقف المارد الجبار يَدْفَعُ عن الحمى ضربات المدافع، ويرد جيوش العدو المتعاقبة، ويقود الجنود البواسل من أبناء الوطن. وقد استطاع أن ينير الطريق بفكره النير لعصبة الأمم،

(1) خلدون الشمعة الأدب والثورة؛ بعض المفاهيم المتحكمة بالتجربة، مجلة الفكر العربي، معهد الإنماء العربي ليبيا، السنة الأولى، العددان: 9/ 8 1979 م، ص 286.

340 -