الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٥فأعجبت بآرائه، ولكن غلبتها شهوة الاستعمار فلم تنفذها، وجاءت اليوم هيئة الأمم المتحدة فوصلت إلى ما دعا إليه من قبل، وأصبحت قضية تصفية الاستعمار من أمجد الأعمال التي قامت بها هيئة الأمم، ولو استمع العالم إلى الباروني لانتهى من مشكلاته واتجهت جهوده إلى معالجة أخرى. لقد شغل الباروني فكر العالم مدة من الزمن كانت الدول تنظر إليه بإعجاب فاغرة الأفواه، ولقد مرت فترة من التاريخ لا تخرج منه جريدة في أنحاء العالم ليس فيها خبر عنه أو منه، وليست هذه الشهرة قاصرة على الميدان السياسي أو العسكري، وإنما تشمل جميع ميادين الإصلاح).
وقدم الباروني إطاراً إسلامياً للفكر المعاصر من خلال مقاومته للغزو الاستعماري العسكري، وتنبيهه لتحديات الغزو الاستعماري الفكري، ودعوته للوقوف في وجه المذاهب والإيديولوجيات الاستعمارية التي ترنو إلى تغيير العقلية الإسلامية، وضربها من الداخل بمعاول تزييف التاريخ الإسلامي، وطعن رموزه، والتغريب والانهزامية والتبعية، وفرض مقاييس منحرفة في البطولة والفن والموت، وهي تحديات في وجه أصالة الثقافة الإسلامية، لا يدفعها إلا بناء ذاتية إسلامية قادرة على مجابهة الأخطار من خلال فهم روح الإسلام في بناء العقيدة وترسم منهج الحياة، ومن خلال حمل الأمانة في تربية أجيال متعلمة ومثقفة ومؤهلة للقيادة تجاري الغرب في منجزاته العلمية والحضارية وتلحق به تجتمع على كلمة سواء، وتتكامل في شرق وغرب لتنهض وتنتصر.
وأخذ الباروني صورة من صور التحدي للموقف الحضاري الذي يريد مسخ الحضارة الإسلامية وإلحاقها بحضارات ما وراء البحار، ويمثل شعره فيما يمثله
(1) علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الثانية (الإباضية في ليبيا)، 1993 م، القسم الثاني / ص 175 - 176.
-341 -
القاهرة، ط 2،