الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٧وحيث تلتهب القضايا الكبرى على شفاه المخلوقات التي أبكمها الواقع
وكبلها بقيود السكينة النائمة، تبوح الآن خارج عوالم الذات وتتدفق ألسنتها شلالاً، يحركه الشاعر وينثر منه علامات من فوق علامات الاستفهام، بأجوبة ينير بها البصيرة، ويروي بها حقول الصمت بقداسة الحقيقة، فيغسل الحب والوئام مسام النفوس، وتقبض المخلوقات العاقلة على خيط البشارة، رغم سواة هم الغربة الذي يسلط الضوء على بعض الأوراق الأكثر ملامسة للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فحين يحمل الهم ضده معه تنفجر فلسفة المؤلف وهي تحمل في ثناياها كثيراً من الأصناف التقابلية المعززة بأمثلة ظاهرية وأخرى باطنية، تنهل من الأسباب المثلى، وترتقي بالحلول إلى أبعد الغايات وأيضا إلى وجهات أكثر واقعية تخاطب العقل بقدرة على إحداث خط تواصلي بين التنظير والتطبيق والذي يتعلق لدى المؤلف بمشاريع كبرى من شأنها تصحيح مسار تجمع بشري منظم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، له عراقته التاريخية، وله ثقافته وعلائقه
بمحيطه الصغير والكبير.
وارتبط شعره بالعقيدة، مخالفاً التصور الفكري الغربي بأن الدين ليس
له حق في رسم الحياة والتفكير من خلال مغيبات تنطلق من رحم الدين بقدرته على حسم النزاع الفكري الذي تخلفه في الناس الأطروحات المذهبية الأخرى حول المبادئ العامة للحياة والقيم الكبرى التي تقودها، وتتساوق في الإسلام حركة الشعر والفكر بحيث يلتحمان معاً، فيعبر الشاعر المسلم عن روح الالتزام بالإسلام وتعاليمه التزاماً حقيقياً نابعاً من شعور ديني، لا تفرضه عليه سلطة أدبية أو سياسية، أو دينية مؤسساتية، بل بمحض إرادته يرى نفسه ملتزماً بالإسلام فكراً وأدباً وشعوراً وسلوكاً، فتتمثل في أدبه كل الملامح الإسلامية الراقية، ليخرج إلى الحياة لبنة صالحة تدعم وجود الإسلام فكراً ومنهجاً على أرض الواقع. فأمن أنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وانَّ الذي يجب أن
343