الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩والتبحر في علوم الشريعة والعربية الذي قاده إلى الجزائر وهي ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي الذي كان بالمرصاد لكل حركة علمية تقض مضجعه أو تهدد وجوده. وقد احتمل البارونى فى سبيل طلب العلم سنوات طويلة من الغربة والبعد عن الأهل وهو يستشعر اللذة والرضا في الاغتراف من معين العلماء والشيوخ والمفكرين من ذوي العقول النيرة والخبرة الواسعة في الحياة، فلاقي ذلك كله هوى في نفسه التواقة إلى الإصلاح والتغيير. وقد زاده تحصيله للعلم ورحلاته المتعددة إصرارا على رفض الواقع الإسلامي المتخلف، وتصميما على إصلاحه وسد الثغرات المفتوحة فيه، وتهيئته لمستقبل أفضل. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل كانت للباروني نشاطات عديدة على عدة مستويات منها:
1. النشاط التربوي والتعليمي
كان الباروني يدرك جيدا الدور الحيوي الذي تقوم به المدارس ومعاهد التعليم فى نهضة الأمم وترقيتها، وقد عاين بنفسه كيف أن الجهل والأمية قد أحالت الشعوب الإسلامية إلى غثاء كغثاء السيل لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وكيف أن العلم منح لأوروبا القوة والنفوذ، ومكَّنها من السيطرة على مقدرات المسلمين واستغلالها لصالحها دون أن يستطيع أصحابها تحريك ساكن. لذلك نجده بعد أن تحرّر من قيود السجن العثماني الذي دخله بتهمة باطلة يسارع إلى تأسيس مدرسة في يفرن ويلحق بها مكتبة عامرة بأمهات الكتب ونفائس المخطوطات، ثم يوقف لها الأوقاف لتتمكن من الإنفاق على طلبتها ومدرسيها، وصيانة مرافقها وهياكلها. وقد أوكل لوالده الشيخ عبد الله الباروني مهمة الإشراف عليها، وكان والده علما من أعلام ليبيا، ووجها بارزا من وجوهها العلمية والدينية. وكانت هذه المدرسة تدرّس لتلامذتها علوم الشريعة والعربية: القرآن الكريم الحديث الشريف أصول الفقه، علم الكلام، الفقه، علوم البلاغة، علوم اللغة الصرف والمنطق والإنشاء.
-12 -