الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠وهي خطوة جريئة تنبئ عن مشروعه الإصلاحي الذي كان يحلم أن ينشر
من خلاله نور العلم بين أبناء وطنه حتى يفتح أعينهم على الواقع الجديد الذي يعيشه العالم من حولهم، لأن ليبيا عانت طوال الحكم العثماني من إهمال تام من السلطة المركزية في مجال التعليم تحت حجة أن معظم سكان القطر الليبي من البدو الرحل الذين لا تنفع معهم إقامة المدارس وتأسيس المعاهد ()، فاستشرت الأمية بينهم بشكل كبير، وباتوا في غيبة عن المشهد العالمي الذي تتصارع فيه القوى على مناطق النفوذ ومراكز السيطرة.
غير أن هذه المبادرة الإصلاحية لم تلبث أن ماتت في مهدها قبل أن تبدأ بطرح ثمارها على إثر الغزو الإيطالي الأهوج الذي عمل كما هو دأب الاستعمار في كل مكان على محاربة الثقافة العربية الإسلامية وتجفيف منابعها بإغلاق المدارس والمعاهد العربية والتركية معا، ومصادرة الزوايا ومطاردة أصحابها ومريديها، فغرقت ليبيا مرة أخرى في ظلام الجهل والاستعباد (2)، ولم يكن لدى رجالاتها الأحرار والمتنورين مجال لنشر العلم، إذ كانت الجهود جميعا متوجهة إلى جهاد الغزاة لإجلائهم عن البلاد.
وإذا كان المستعمر الإيطالي قد اغتال في قسوة وعنف أحلام الباروني في بلاده، فإنها عادت مرة أخرى لتنتعش في عُمان، حينما فوض إليه سلطانها أمور تسيير الدولة وإصلاح شؤونها، فكان من بين أعماله البارزة تأسيس المدرسة البارونية بسمائل، والتي أدخل عليها بعض مناهج التعليم العصرية، وكان ينوي أن يجعلها مدرسة نظامية على غرار المدارس الإصلاحية التي انتشرت في المغرب العربي وتكون نموذجا يُحْتَذى للانتقال بمدارس السلطنة من الطراز التقليدي إلى الطراز الحديث، كما كان ينوي استجلاب الأساتذة والمعلمين الأكفاء
(1) راجع: محمد الصادق عفيفي. الاتجاهات الوطنية في الشعر الليبي الحديث. دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع. بيروت. القاهرة بغداد. ط 1. 1969 م. ص 118. (1) المرجع نفسه، ص 122.