الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠نزل الباروني الذين وشوا به عند السلطان منزلة المنافقين الذين أتوا بالإفك (1) يريدون أن ينثروا عُشَّ الباروني، وقد كان لهم ذلك، لكن سرعان ما ينقضي هذا الأمر، فالإفك قد دحض بوحي من السماء، وانقلب السحر على الساحر، وهذا الذي يرجوه الباروني، بل هذا الذي ألح على مخيلة الباروني الثقافية عندما استعان بهذه المرجعية الثقافية المفصلية في مسيرة قضيته ووشايته.
لم يكتفِ الباروني بالمشابهة بين حالة وحادثة الإفك، بل إنه عمد إلى توهين كلام متهميه مرة أخرى عندما شبه كلامهم ببيت العنكبوت، راجعا في ذلك إلى معنى ودلالة قوله تعالى (2) " مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل
العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ".
إن تشبيهه أدلة الذين افتروا عليه ببيت العنكبوت يدل خير دلالة على ضعف ما افتروا (3)، بل إنه تخريص رموا به الباروني رحمه الله، وهو بهذه المرجعية الدينية يهدف إلى رفع درجة الصدق في كلامه، فاستشهاده بحادثة الإفك وتنزيله من اتهموه منزلة المنافقين في حادثة الإفك، واستشهاده بضعف نسج بيت العنكبوت وتنزيل أدلة المفترين عليه منزلة الخيوط الواهنة في بيت العنكبوت يعني بالضرورة أن كلامه وأدلته هي الصدق بعينه وهي الأقوى، والأجدر أن يتلفت إليها، فهو بهذه المرجعيات الثقافية يسير وفق استراتيجيات تضامنية (4)، يسعى بواسطتها إلى إنهاء أزمته والانتصار على أعداءه المفترين
عليه.
(5) سورة العنكبوت، 41.
(1) تنظر في سورة النور، الآيات 10 - 21، وينظر تفصيلها في تقصير فتح القدير، ج 4، ص 13 - ص 21 (1) أمثال القرآن ابن قيم الجوزية، تحقيق موسى العليلي، مكتبة الزمان، بغداد، ط 1، 1987 م، ص 60 - 61، وانظر، في ظلال القرآن، سيد قطب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت دل، ج 1، ص 397 إستراتيجيات الخطاب عبد الهادي بن ظافر الشهري.
(S)
-366 -