الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠٧الوطنية والجهاد، وفي الإخوانيات، وفي التّهَانِي والعتاب. فَضَحَ البَارُوني في شعره نوايا المُستعمر، ونبه إلى مخاطره، وكشف عما كان يُخَطِّط له من استغلال لثروات هذه البلدان الإسلامية تونس ومصر، والجزائر، وعمان. تلك الأقطار التي عاش فيها فترات طويلة من عُمُره، واتخذها دارا له بعد وطنه فخبر أهلها، وخَبَرَ دسائسَ المُستعمر، واستعباده لشعوبها باسم الحُرِّيَة والديمقراطية. كما أن الديوان سَجّل قصائد فخرية، وأخرى مدحيّة في السلطان العثماني عبد الحميد، أما قصائد الغزل والحُبَ ولَوَاعِج القُلُوب، فلا نَجِدُها في ديوانه [ … ]).
ولقد تطرّق إلى هذه القضايا شُعَرَاء من قبله مثل صدقي الزهاوي ومَعْرُوف الرصافي، وحافظ إبراهيم. ومن هنا نلمس تعالقا بين شعر الباروني وهؤلاء الأعلام. أَلَمْ يَكن الشاعِرُ دائما لسان قومه، وضميرهم، ومُترجم أقوالهم والواصف أحوالهم؟
ينقسم شعر الباروني إلى فترتين ما نظمه قبل سنة 1906 م، أي قبل مجيئه مصر. وهو شعر طُبِعَ بطابع التذمر والقلق بسبب السياسة العثمانية، وإدارتها الهشة ومواقفها الجائرة كما عبر بعض ما بقي من قصائده عن ألمه، وسخطه على تخلّف بلاده مُقارنة بالجارتين تونس ومصر، فضلا عن أوروبا والدول المتمدنة، ولعلّ قصيدته
وداعا يا ديار العز حتَّى أعود إليك في أهنا نهار (2)
تنقل مشاعره إزاء وطنه وقلقه على عدم وعي أهله بالأخذ بأسباب التقدم. وبدا في هذه القصيدة عمليا، إذ عرض فيها منهاجه الإصلاحي الذي يرنو من
(1) علي مصطفى المصراتي، لمحات أدبية عن ليبيا المطبعة الحكومية، طرابلس الغرب، 1956 م، ص 57، نقلا عن محمد مسعود جبران، م. س. ص.88 وفي هذا الإطار يُؤكد المصراتي، أن الباروني كان رَجُلا وفورا، وعالما ودارنا للفقه الإسلامي، بل هو شيخ مُبجّل، ورُكن ركين من الإباضية الأكارم، الذين اشتهروا بالتجمل والعفاف والتمسك بأهداب
الذين إلى حد بعيد." (1) الديوان، ص 73.
-383 -