سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٥

وكذلك تعمل المنقولات النحوية من خبر وإنشاء على تكثيف المَعْنَى المُجرّد من حرية وكرامة، وعلى تجسيم أفعال العدو ضمن المضادات والأصوات، وما يُشيعه القصيدُ من روح للتحدّي والانتصار.

لذلك كانت ردة فعل الاحتلال بشقيه العثماني والإيطالي قاسية فحاكوا

مكائد للباروني واتهموه بتأسيس جمهورية طرابلسية، تنادي باستقلال ليبيا. وهكذا رج بالباروني في السجن فعانى ما عانى من غياهب الظلمات الاحتلال. وجور

عُرِف الشَّاعِر في أغلب قصائده بتلقائية القَوْل، وبساطة العبارة. فهو يقول شعرا لا تكلّف فيه ولا صنعة مجحفة، ولكنّه حقق بهذه الأبيات صُورًا تحتوي انسجاما في الأفعال، وعُمْقاً في الاستعارات (1)، أو الانزياحات (2).

ولقد بلغت هذه الصورُ في شعره الفخري وخاصة في هذه القصيد قمتها

الجمالية وعمقها الفنّي:

هذا هو الشعر الذي شهد الحروب الهائلات وعليه أمطرت القنا بل كالصواعق نازلات

ونرى طرابلس العز

يزة في ليال باهرات (3)

يكشف ديوان الباروني إذن عن صُور استعاريّة، وتراكيب بلاغية، اختزنها في ذاكِرَته وأرادَها أن تكون زادَه في القول ونظم الشعر، ومع ذلك لم يَدَّعِ فُحولة، ولا زَعَامَة، لأنّه يَعْرِفُ ثقل الرسالة وجسَامَتَها، ولأنه أراد أن يترك الحُكْم

للْمُتَلقَّي الذي قد يَطَّلع يَوْما ما على شعره ويَتَّخذه مادة للدرس والتمحيص.

(1)

والاستعارة علامة العبقرية إنّها لا يُمكن أن تعلم إنّها لا تمنح للآخرين". قولة مشهورة أوردها محمد الولي في كتابه "الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1990 م، ص 325. (2) جون كوهين بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، المعرفة الأدبية، دار توبقال للنشر، ط 1، ص 205 الانزياحات" غاية الصورة، فالانزياح التركيبي لا يحصل إلا لأجل إثارة الانزياح الاستبدالي … " (3) سليمان الباروني، آثاره، م. س. ص 124.

-391 -