سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٦

طغا على النصّ الشعري عند الباروني لَوْنا بارزا هو الشَّعْرُ النّضالي ضدّ المستعمر، وضدّ طغاة العالم. وهو ما جعل بعض النقاد يعتبرها رُؤية تجديدية. ذلك أنّ شعر الرجل لم يُوحَ له به من فراغ، ولم يقله اعتباطا، بل لقد قاله نتيجة أوضاع قاسِيَة أوقدت فيه جذوة الحَمَاس والتَّحدّي.

أما في نصه النثري فلقد عالج مواضيع مشابهة أثارت أحاسيسه ومشاعره،

فأفردها بخصائص فنّية، وأسلوبية لافتة

هي

2 - النص النثري، تقنياته، ومرجعياته

الأخرى للانتباه.

جمع الباروني في نصه النثري بين الخطاب الأدبي، والرسائل التي كان يُرسلها عند الحَاجَة. ويُعتبر هذا التَّوجّه في حدّ ذاته تجديدا، لأنه نادرا ما يُفْلِحُ أديب في أن يَجْمَع بين قول الشعر وفنّ الخطابة. ولا ننسى أن الرجل كان صحفيًا، وصاحب مطبعة. وفوق ذلك كان صاحب قضيّة. ولا بد أن يُعرف بها بكل الوسائل المتاحة.

عُرِفَ الجنسُ النثري في الأدب العربي منذ القديم وبرزت فيه كتب مشهورة منذ عبد الحميد الكاتب وابن المقفع والتوحيدي والجاحظ والمعري، وعبد الرحمان بن خلدون. وتفرع عنه فنّ الترسل عند إخوان الصفا وليس غريبا أن يهتم الباروني بهذا اللون من الكتابة وقد سبقه إليها أبوه عبد الله الباروني، وبرز في تونس محمود قابادو الذي لا شك أنّه كان قد اطلع على آثاره وهو طالب علم بالزيتونة. ولعلّه من هنا يُمكن الحديث عن التناص، أي الحوار بين نص الباروني النثري، ونصوص من سبقه، ومن كانوا معاصرين له.

ولقد شهد عصر الباروني حركة فكرية مزدهرة. كان سببها انتشار المكتبات، وترجمة الكتب، والاعتناء بالصحافة. ثم إنّ العالم العربي كان يتطلع

392 -