الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٥٠لقد اعتمدت تلك الأسئلة الموجودة في النص على بعض التوازنات
الصوتية في المعنى، أو في المبنى، وقد تحقق ذلك في الكلمات (فدع، تك)، الصفد، والسند القرد، والبرد) (كف، ودع)، (الجزر، والمد)، فهذه المفردات جميعها شكلت إيقاعا صوتيا ببنية الإيقاع الداخلي الناجم عن تكرار العديد من الأصوات المختلفة داخل النص، كتكراره لكاف الخطاب، وحرف
الدال.
ويفتتح الباروني إحدى قصائده بسؤال آخر في قصيدة قالها في عتاب صديق له نزل عنده ضيفا، ووعده بالبقاء والانتظار، ولكن ذاك الصديق لم يمكث عنده طويلا كما وعد فسافر (1)، فقال فيه:
ألا يا ضيف هل وجب الفرار أم اشتاقت لطلعتك الديار
أم استعذبت بالله ارتحالا
على عجل ليقترب المزار
فإن يك ذاك الجواب فلست ممن ورب البيت ينفعه اعتذار (2)
إن حاجة الشاعر الملحة إلى بقاء صديقه وضيفه عنده ألجأته إلى إيراد
أداتين للسؤال الأولى (ألا)، وجاءت استفتاحية بوقوعها في أول القصيدة وتكون للاستفهام عن النفي (3) والثانية (هل)، التي بالرغم من أنها " لطلب التصديق (4)، فإنها انحرفت عن هذا الطلب، وتحولت إلى إجراء حوار بين طرفين هما الشاعر وضيفه الغائب. وقد تحققت شعرية السؤال بالإجابات الافتراضية التي يعرضها، ولكن ليس بصيغة، نعم، أو لا، إنما بصيغة احتمالية يريد الشاعر أن يعرفها والمتمثلة في قوله: (أم اشتاقت) (أم استعذبت)، وهكذا فإن أداة السؤال أثرت إيقاعيا في الأبيات، وذلك بورود حرفين من حروفها في النص،
(1) محمد مسعود جبران سليمان الباروني، آثاره، ص 133. (2) الديوان، ص 119 (1) المغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ج 1، ص 68،69. (4) نفسه، ج 2 ص 349، 350
426 -