سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٢

ثالثاً: علاقة الباروني مع السلطان سعيد بن تيمور

أما علاقة الباروني بالسلطان سعيد بن تيمور، فقد كانت علاقة ود متبادل، ويظهر ذلك جليا من تعامل السلطان سعيد، فعندما عانى الباروني الأمرين في أثناء القيام بجهوده الإصلاحية لتنظيم إمامة عُمان لتكون دولة عصرية، ورأى الأبواب مسدودة أمام ناظريه قرر التخلي عن جهوده والرجوع إلى سلطنة مسقط، فعندما رجع إلى السلطان سعيد أكرمه وعينه مستشاراً لحكومته، وكان يوكل إليه بعض الأعمال من ذلك، تشييد مسجد صحار التاريخي، وقد قال في هذه المناسبة قصيدة من أبياتها:

صمناك يا رمضان طوعا في صحار نحيى الليالي عاملين مدى النهار نحيى مآثر غرب أعلامها أيدي الدهور الدائرات على مدار لا مثل ما صمناك في باريسهم كرها وفي أحشائنا المطعون نار صمناك والآذان يطرب سمعنا بصحار ذات المجد إذ فيها المنار لا نسمع الناقوس مثل سماعنا دقاته يدعو الى كفر جهار (1)

بل حتى في المرض الذي مات فيه الباروني، كانت علاقته بالسلطان سعيد بن تيمور قوية، إذ كان عند اشتداد المرض به يطلب زيارة الهند للعلاج، فوعده السلطان بقرب ذلك في زيارة رسمية معه فغضب عندما تأخر السلطان في ولاية ظفار، ولكن السلطان كان لا يغضب منه في الحقيقة رغم حواشيه النفعيين، فتلطف معه حتى هدأ.

فسافر إلى الهند بصحبة السلطان في 1940 م، وعندما ودع أهله كان يقول: "إن عُمان طيبة بأحبابها والسيد سعيد راعيا للجميع"، فتوفي في فجر

(1) المرجع السابق، ص 174.

38

23 ربيع الأول الموافق 1 مايو 1940 م، ودفن هناك بحضور السلطان سعيد بن تيمور، وجعل على قبره لوحة كانت الدليل للعثور عليه أخيرا بعد (32) عاماً لم يره فيها أحد من أهله ولا تعرف لمكانه (1). تولية الإمام الخليلي الباروني لتنظيم عُمان:

كان الباروني باشا من يوم نزوله بمسقط في غرة محرم، لا هم له إلا النصيحة والدعوة إلى جمع الكلمة والاتحاد والنهوض لمجاراة الأمم الحية، فكان حديثه وهو راكب وسائر وجالس وعلى فراش المرض الذي كان ينتابه كل مدة في أكثر بلاد عُمان.

جاهد سعادته في سبيل إيقاظ هذه الأمة إلى واجبها جهادا مستمرا بدون فتور ولا مبالاة ولا يأس، حولين كاملين (1343 - 1345 هـ)، وقد كلف من طرف رجال الإمام بقبول منصب يليق به، فلم يقبل لعلمه بأن فكرته التي كان يبثها لم تنضج، ولو أنه قبل منصبا مهما كان في ذلك الوقت لما توفق بسهولة إلى إتمام مراده و لحصلت عراقيل كثيرة في سبيل ما يقصده من الإصلاح. كان من تأثير هذا الجهاد المستمر، أن عقد عظمة الإمام اجتماعا رهيبا، أقطاب دولته وأهل الرأي فيهم، مثل العلامة الشيخ عيسى بن صالح أمير الشرقية، والشيخ سليمان بن حمير أمير الجبل الأخضر، وأكابر العلماء مثل شيخ مشايخ عُمان الشيخ ماجد بن خميس العبري قاضي المرحوم الإمام عزان بن قيس قبل 60 سنة، والعلامة الشيخ سعيد بن ناصر الكندي قاضي قضاة مسقط سابقا، العلامة الشيخ عامر بن خميس المالكي قاضي قضاة الإمام، جمع هؤلاء يستشيرهم في إسناد أمر تنظيم الدولة إلى الباروني باشا، فأجمعوا كلهم مع الإمام بعد تجربة سنتين للباروني باشا على أنه أهل لأن يقلد أمر تنظيم المملكة

وضم

(1) زعيمة البارونية، ص 21.

39