سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٣

على الوجه العصري الموافق لروح الشريعة الغراء التي هي مصدر كل صلاح

وعمران.

بعد تمام كل هذا، أخذت المخابرات بين عظمة الإمام والباروني باشا في دورها الحاسم، وهو بمسقط منذ شهر ذي الحجة 1344 هـ، وحينما سافر عظمة السلطان السيد تيمور إلى الهند، قدم الباروني باشا إلى سمائل، حيث يقيم الإمام مؤقتا فطالت بينهما المذاكرة والمداولة في الرأي مشافهة إلى آخر شهر المحرم

1345 هـ.

لما علم الباروني أن فكرته من توحيد الكلمة بين جلالة السلطان وعظمة الإمام قد حلت في جميع القلوب محل الإجلال والتقدير، وأنه بعد تجربة الإمام ورجاله سنتين قد تبين أن الرأي العام عندهم مجمع على وجوب تنظيم المملكة على الوجه العصري لروح الشريعة الغراء، لم يتوان سعادته في إجابة دعوة عظمة الإمام إياه وقبوله باضطلاع أمر المملكة بما أوتي من عزم وحزم وصدق، وإخلاص وخبرة ودراية.

وبعد الاتفاق التام بين عظمة الإمام ورجاله وبين سعادة الباروني باشا على إسناد أمر تنظيم المملكة تنظيما عصريا موافقا لروح الشريعة الغراء، أصدر الإمام البلاغ التالي: بسم الله الرحمن الرحيم من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى جماعة المسلمين، ليعلم الحاضر الغائب أني فوضت الأمر في تنظيم المملكة تنظيما صالحا للشيخ الباروني، فبيده الملكية والعسكرية والمالية والسياسة الداخلية والخارجية، فمن يخالفه أو يقف في سبيل أعماله الإصلاحية، يعاقب ولا يلوم إلا نفسه.

كان للانقلاب الجديد في عُمان أثره البليغ في مختلف الطبقات وأبرزها

طائفتان:

الأولى طائفة المحافظين، وفيهم رؤساء وعلماء، ولا سيما من كان بيده

وقف من الأوقاف، يستغله لنفسه على حساب المصلحة العامة، فإن النظام الجديد أول ما يمس هذه الطبقة مباشرة، فلمجرد ما أخذ الباروني باشا في تنظيم المالية، رفع هؤلاء عقيرتهم بالاستنكار بأساليب مختلفة، فمن قائل: إن هذا الأمر بدعة، وكل بدعة ضلالة، ومن قائل: إن هذا من عمل النصارى لا نقبله ومن قائل: إن هذا لم نجد عليه آباءنا وأوائلنا وهم أدرى منا بالأصلح، فكيف نخالفهم إلى غير ذلك، مما كاد يحدث فتنة في البلاد، ولما بلغ ذلك كله مسامع الباروني باشا، حضر إلى مجلس الإمام وهو غاص بالناس من علماء ورؤساء وغيرهم، فجلس واستأذن في الكلام فأذن له فوضع أمامه ظرفا فيه أوراق، فاندفع مسترسلاً نحو ساعتين بصوت جهوري، يتكلم في كل موضوع من مواضيع الإصلاح التي قررها، مبيناً مضار الحالة الحاضرة ومصالح الإصلاح المقصود مستدلا في ذلك ببعض أعمال الخلفاء في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وببعض الآيات الكريمة والأحاديث النبوية، والإمام يجول ببصره يميناً وشمالاً ناظراً إلى الذين هرعوا إليه من قبل وأتوه معترضين، وهم في غضب شديد، ينظر الإمام إليهم وهو يبتسم كلما سمع حجة دامغة من كلام الباروني باشا، ولما انتهى من الكلام، قال الإمام ما خلاصته أما المضرة فقد شاهدناها ظاهرة، وأما المنفعة فها نحن نسمعها بآذاننا ونلمسها بأيدينا وديننا المبين، لا يسوغ لنا قطعا سلوك طريق المضرة وتجنب طريق المنفعة، بناء عليه أن هذا الأمر قد قضي باتفاق العلماء فلا أقبل بعد اليوم أي اعتراض.

الثانية: طائفة المستنيرين وأرباب المدارك الواسعة ورؤساء البلاد الراسخين في السياسة وأذكياء الشباب من الأدباء والشعراء وغالب عامة الشعب، فهؤلاء قد تلقوا ذلك الانقلاب العظيم، بمظاهر البهجة والسرور، إذ تفتحت به أمامهم آفاق من الآمال الواسعة الكبيرة في حياة دولتهم وأمتهم على يد هذا الإمام الجليل

41

40