سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٤

الساهر بحق على خير هذه البلاد بواسطة الباروني باشا، ذلك الرجل العظيم الذي أحسنت دول الحلفاء صنعا في تضييقها عليه حتى ساقه القدر إلى هذه البلاد رحمة ونصيراً.

نعم لقد تلقت هذه الطبقة العالية هذا الانقلاب بمظاهر البهجة والسرور، فأقامت الولائم وعقدت الاحتفالات وتبادلت التهاني وتبارت الخطباء على المنابر وتغنت الشعراء بأعذب الألحان، ومن ذلك القصيدة الرائعة التي أنشدها الشاعر النابغة أبو سلام سليمان بن سعيد الكندي ومما قاله فيها:

قم سليمان في صلاح البلاد لا تبالي بقول أهل الفساد إنما أنت عالم كيف أصبحت أمم الغرب تزدري العباد وهي بالعجز أم جهل بنيها نالت المجد أم سمت بالرقاد لا ولكنها تدك بالعلم كل صرح بدا بغير عماد

فابذل النفس والنفيس وشمر واصرف الجهد من صميم الفؤاد إن تعارضك فئة في نظام لا تلمها لجهلها بالمراد هكذا كل من سعى في صلاح عاكسته الأيام بالحساد إنما الحق واضح كيف يخفى عن بصير فما لهذا التمادي (1)

الإصلاح السياسي:

بعد أن تولى الباروني أمر تنظيم المملكة العُمانية، أخذ في وضع برنامجه الواسع للإصلاح في شتى المجالات، ومن المجالات التي أولها الباروني اهتمامه البالغ، المجال السياسي فبدأ ببذل جهوده للإصلاح السياسي، وتجلى ذلك في

عدة أمور:

كانت العلاقة بين السلطان تيمور بن فيصل والإمام الخليلي متوترة وعندما وصل الباروني ووجد الجفاء مخيماً بينهما منذ ثورة أحرار عُمان على سلطنة مسقط في جمادى الثانية سنة 1331 هـ، وأحوال بلاد عمان الداخلية في تفكك وانحلال والدسائس الأجنبية تدب عقاربها في أطراف جزيرة العرب، وهي تخبو نحو النواحي الشرقية من بلاد عُمان أدرك سعادته كل هذا وأكثر من هذا، وليس من الهين على نفسه الكبيرة وهمته العالية أن يقف إزاء هذه الأخطار المحدقة بالقطر العُماني العزيز وبجزيرة العرب المقدسة موقف المتفرج، وهو الرجل العظيم العمومي، الذي جعل حياته الغالية وقفا للإسلام والمسلمين، سيما قد زادته سياحته في دواخل عُمان اطلاعاً واكتناهاً لخبايا بعض الأمور هناك.

ورغماً من مبادرة المرض له قبل أن يبادر لوضع خطة العمل، أخذ يفكر الأول

في وضع خطته، أثر رجوعه إلى مسقط من سياحته التي دامت من ربيع إلى رجب 1343 هـ، وآثر أن يعمل للإمام والسلطان معا حيث جاء في بعض رسائله كلفت مرارا" من بعض أهل الحل والعقد بقبول منصب عال مع الإمام، فاعتذرت خوفا من أن ينسب إلي التحيز، وأنا يهمني أن أبقى للطرفين (السلطان والإمام حتى أتمكن من صلح بينهما يسعد البلاد إن شاء الله.

فقام بأعمال تمهيدية لإزالة الجفاء بين السلطان والإمام، وتقريب المسافات بين الفريقين بما ظهر أثره المحمود من توحيد قواهما لمواجهة الأخطار وجمع كلمتهما ضد الأجنبي وتوجيه أنظارهما لحماية عُمان من كل اعتداء على من أي

كان (1).

وحذر من مغبة الخلاف والاختلاف بين السلطان والإمام، وخطورة هذا الأمر على عُمان وشعبها حيث أرسل رسالة يتأسف فيها على تقهقر جيش

(1) أبو اليقظان، ص 28 - 42

42

(1) المرجع السابق، 249/ 1 - 250، 14/ 2.

43