سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٧

الإصلاح الفكري:

لقد كانت عُمان خلال تلك الفترة تعيش في ظلام دامس بسبب ما كان يعاني أبناؤها من الجهل والتخلف، فلم يكن فيها مدارس حكومية أو جامعات يدرس فيها الشعب، بل كان نمط التدريس تقليدي مقتصر على دراسة القراءة والكتابة وما يتعلق بأمور الدين وهذا الوضع كان له أثر كبير على الحياة الفكرية في عُمان وعلى سير الحركة العلمية ولما وصل الباروني إلى عُمان ورأى هذا الوضع المتردي من الجهل كان أكبر هم له هو إنشاء مدرسة كبرى في سمائل، وكان ينوي أن تكون أول وأكبر مدرسة ثانوية في سائر بلاد عُمان. وقد صرف عنايته وجهوده لإبرازها إلى الوجود بنظام عصري على الطراز الحديث، وكان عزمه أن يسافر إلى عواصم الإسلام ليجلب منها الأساتذة والمعلمين الأكفاء، إذا ساعده القدر وتسامحت معه الدول الكبرى لدخول تلك البلاد التي تحت نفوذها، ولكن الأمراض المزمنة أنهكت قواه وأقعدت به عن انجاز هذه الغاية السامية، ولم يحقق منها إلا جزءا يسيرا وذلك بإتمام الطابق الأول فقط من تصميمه الشامل الطابقين، ومع هذا فقد بقي الطابق الأول مغلقاً، إذ لم يتيسر له أن يسافر لجلب المعلمين إليها من الخارج.

أضف إلى هذا أن أهل عُمان غالبا ما زالوا على الطراز القديم، وما زالوا لم يهضموا الأساليب الحديثة في الحياة، ولا سيما فيما يخص التعليم الذي هو أشد مساسا بالدين وإلا لنسجوا على منواله وأتموا برامجه ولو أقعده عنها

المرض (1).

(1) أبو اليقظان، 46/ 2.

وحتى ندرك حجم الجهد الذي بذله الشيخ الباروني في إنشاء هذه المدرسة، نلقي عليه من خلال مراسلاته مع الشيخ سليمان بن ناصر اللمكي، ففي رسالته المؤرخة في الثالث من محرم 1347 هـ، يبين له حصوله على الموافقة من قبل الإمام والشيخ عيسى، إذ يقول في رسالته وقد حصلت الموافقة من حضرة الإمام والشيخ عيسى، واستحسنت لها أرضا قريبة من الأرض التي اشتريتها لابني فيها بيتا وهذه الأرض وقف فلزم تعويضها بمال أنفع وأحسن منها للوقف، ونحن بصدد ذلك، وبعد تمام المعاملة نباشر العمل في البناء إن

شاء الله".

وكان يسعى لتوفير الدعم المادي لإتمام عملية بناء المدرسة حيث يقول: قد باشرت بناء المدرسة بحضور أعيان سمائل كافة، ومئات من الفقراء، أكل الجميع الأرز باللحم وشربوا القهوة 14 جمادى الأولى 1347 هـ، والعمل مستمر كل يوم بنشاط لأن الحجارة والصاروج المشترى لذلك كثير والله المعين، وقد أرسلت إليك تلغرافا قبل يومين في إرسال ألفي قرش بكل سرعة أرجو أنكم اهتمتم بذلك لأن مرادي مواصلة العمل قبل دخول الحر لأن الحركة فيه هنا صعبة. ويقول في رسالة أخرى (وإني في انتظار الحوالة، وإذا كانت (3000) فأحسن، لأني سأضاعف الصناع والعمال وأحضر الأبواب والرواش لتتم المدرسة، ونشتغل بمعداتها العلمية كالكتب والأدوات والمعلمين يقول في موضع آخر "وقد ذكرت لكم فيها عن إرسال القسط الأخير وعلى قول الناس إن البناء قد تم، ولم يبق إلا الصلح الصقل والأبواب والسقف وسنباشر ذلك حين وصولي بإذن الله وأرسل إليكم صورة الحساب ورسم الحساب".

حتى أثناء سفره إلى بغداد كان موضوع إتمام المدرسة همه الشاغل حيث

أقصد

وكل من يشرف على عملية البناء وإني بعد شهر أو بعد (20) يوم، عمان لأن همتي مصروفة إلى إتمام المدرسة بإذن الله، وأرجو أن أجدها تامة

49

48