الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢ذلك المكان ليكون مركزا عسكريا يحمي هذه المنطقة من أدم إلى الظاهرة، فلو كان فيه عشرون فارسا ومثلها مهرا، لما بقيت حاجة إلى تسوير بهلاء، ولا كان حول فرق وعاصمة الإسلام، خوف، ولكن المتأخرون زماناً
قرب
وأفعالاً، لم يروا هذا الرأي فأهملوا هذا القصر العظيم حتى استولى عليه الخراب وغير سكانه، معالمه فسودوا جدرانه الناصعة البياض المنقوش فيها الآيات الكريمة، والأشعار الحكيمة، وأصبح قبر الإمام ينهار عليه التراب والخشب من الغرفة المحاذية له المتخربة، وأصبح قبر قاضيه مربطاً للدواب تروث وتبول فوقه، ولو كان هذا القصر عند دولة أخرى لصرفت عليه الأموال الطائلة لمجرد محافظته من التخريب، ولو لم تجعله مركزا للحكومة لأنه أثر تاريخي فاخر يدل على فخر الأوائل وعلو مقامهم، ولولا وجود الخلق لما وجد دليل على وجود فإن الأثر يدل على المؤثر، والبعرة تدل على البعير، وهذه آثار الإنسان
الخالق،
تدل
على ما كان له من المقام في الحياة الدنيا: تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
ولكننا نحن لم نفكر في حكمة الأشياء، فأهملنا فضاعت، وضاعت معها
أدلتنا على أن لنا أوائل لهم شأن ومقام معتبر بين الأمم، والأمر الله).
مد
وقد ظهرت آثار هذه الإصلاحات في البلاد من خلال استتاب الأمن فقد الأمن رواقه في سائر الربوع العُمانية، واجتمع شمل الأمة واتجهت أنظار
الأعيان إلى الوحدة والبرهان على استتاب الأمن أن رجلين من قبيلة الحرث
من
جماعة أمير الشرقية الشيخ عيسى ابن صالح راجعان إلى بلديهما من دبي فقتل ليلا طمعا في مالهما وبعد البحث تحقق أن القاتل بعض من قبائل الظاهرة
والبريمي
(1)
القريبة من دبي فقبض شيخ البريمي على المتهم من قبيلته فحز رأسه
وأرسله مع رسل الإمام ولكن لما وصلوا به إلى مسقط تعفن، فطافوا به في أسواق مسقط ومطرح ودفنوه.
أما المتهم من قبيلة الدروع، فقد أرسله رئيسها مع عشرة رجال سلموه للأمير عيسى بن صالح فأرسله إلى الإمام فأمر بوضعه في السجن في قلعة نزوي (1).
الإصلاح الاجتماعي:
لقد كان للباروني مكانة رفيعة في المجتمع العُماني، مما أهله ليقوم ببعض الإصلاحات الاجتماعية في عُمان، فقد دعا الإمام في قصيدته إلى ترك التفاخر بالقبائل والأنساب وسعى إلى جمع الكلمة ووحدة الصف، فقال:
سهم
العداء ومحنة سوداء
وامح التداعي بالقبائل انه واجمع قلوبا بالخلاف تمزقت حتى يضم شتاتهن لواء (2)
وعندما كان في فنجا وأقيم له حفل رائع لاستقباله، وبدأ المنشدون في أغانيهم الحماسية إلى أن وقف صبي يراهق البلوغ بيده سيف، وأنشد نشيدا طويلا بصوت حسن حتى أتى ببيت من نشيده فيه دعاء على الحزب الغافري، هكذا نص شطره الأخير والغافري حكمه "يزول فاستوقفه الباروني باشا، وسأله الأسئلة الآتية: أليس الغافري بأخيك في الدين والوطن، وهو الذي يفدي معك هذا الوطن بماله ونفسه، أليس هو بأخيك عنصراً ولساناً، فقال الصبي: نعم، فقال له: ولم تدعو عليه بالسوء حينئذ، أليس إذا فقد فقدت نصف قوتك، فقال: نعم لكنه ليس من الحزب الذي انتسب إليه وهو الهناوي فهو عدوي، فقال له: إن هذا فكر باطل وخطأ عظيم والذنب عائد إلى من علمك إياه، أما أنت فصغير معذور لكن
(1) مجلة المنهاج، 36 - 37.
(2) ديوان الباروني 244/ 20.
59
النمير: 26/ 3 - 27
58