سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٣

يجب عليك أنت وأترابك ترك هذا الفكر من هذه الساعة، ولا تعد إلى ذكر هذا البيت قط، لأن العدو الحقيقي هو الذي لكم بالمرصاد ليبتلع بلادكم ويفقدكم استقلالكم وأنتم غافلون واستمر في هذا الكلام في هذا الموضوع، والناس ينصتون كأنما على رؤوسهم الطير، ثم ختم كلامه بالدعاء بالتوفيق وجمع الكلمة، فاستحسن الحاضرون ما سمعوه من النصائح، واعتذروا عن الصبي، وطار خبر هذه الحكاية في سرعة البرق إلى أطراف المملكة، فسرهم ذلك وتقوت آمالهم في حصول فوائد ونتائج نافعة للوطن على يديه (1).

أما الصحة: فقد كانت الأوضاع الصحية في عُمان متردية، والأمراض الفتاكة منتشرة في جميع أنحاء عُمان ومن الأمراض التي كانت منتشرة في تلك الفترة الجذام والبرص الإفرنجي والعمى والرمد والحمى والفتق والسل وغير ذلك. لأجل هذا رأى الباروني أنه من الضروري إنشاء مستشفى في عُمان، وعقد العزم على إنشائه حيث يقول في إحدى رسائله واني عازم على إنشاء المستشفى بإعانة الله، وربما أختار له مكانا غير سمائل أحسن هواء، فإن حاجة البلاد إلى مستشفى وطبيب أشد من كل شيء، واعتبر الباروني عدم وجود مستشفى في عُمان أمراً يلحق عاراً إذ من العار أن تكون مملكة ذات تاريخ جليل الشأن مشحونة بجميع أنواع الأمراض الفتاكة ولا مستشفى ولا طبيب ولا دواء فيها" وسعى إلى الاقتصاد في نفقات بناء المدرسة حتى يستطيع بناء مستشفى سأعمل جهدي في الاقتصاد وأستعين به على بناء مستشفى قريب من المدرسة فان البلاد العُمانية جمعت جميع أمراض الدنيا ولا دواء ولا طبيب" وحاول إقناع بعض الأطباء للمجيء إلى عُمان لعلاج الناس فرفضوا "رغبت الأطباء هنا للوصول إلى عُمان للتداوي والربح فلم يرغبوا لعلمهم بعدم استعداد البلاد وعدم وجود نظام فيها وفقدان معدات الراحة بل تفاءل خيرا إن تم بناء المستشفى أن

(1) الطيواني الرحلة البارونية، ص 65 - 66.

ترسل بعض الجمعيات الخيرية أطباء وأدوية " وربما نجد بعض جمعيات خيرية تتكرم بطبيب وأدوية، إذا حصل بناء المستشفى (1) وقد استطاع الباروني إقناع أحد الأطباء بالحضور إلى عُمان، واتفق معه لمداواة الناس وهو الدكتور بشير فؤاد الجمال سوري الأصل فقد اتصل بالباروني في سمائل فاستبشر به، وسر الدكتور بالبناية الضخمة التي بناها الباروني لتكون مدرسة عصرية، واتفق معه على إنشاء مستشفى وإلقاء دروس صحية في المدرسة ليلاً، وقرر الإقامة في عُمان فأعفى لحيته وترك شرب الدخان وحافظ على الصلاة، لكن الحمى اشتدت عليه ولم تفده الأدوية التي بها معه لمكافحتها، ولم يمض أسبوعان حتى حصل له خبال وصار يكرر قوله: قد ساقني الله إلى هنا لأدفن في أرض إسلامية لا أجنبي فيها إلى غير ذلك، فكلف الباروني من خواصه من يقوم بشئونه، وكان يسهر الليل كله بجانبه إلى أن توفاه الله، فاختار لدفنه مقبرة آل الإمام القريبة من المدرسة إكراماً له.

ونظراً للحاجة الملحة للمستشفى فقد سمح الإمام مرة للبعثة الطبية الموجودة في مسقط، أن تأتي مؤقتا إلى سمائل التي هي أقرب المدن الداخلية إلى مسقط، فوصلتها ومعها قافلة كبيرة تحمل صناديق مشحونة بالآلات والأدوية والكتب، وقدمت لها الحكومة محلا مناسباً لتأمين غايتها، وكثر الواردون عليها للتداوي، لكنها لم تقم بواجبها الإنساني أكثر من بضعة أيام ثم بدأت مهمتها التبشيرية، وأخذ الطبيب يجمع المرضى ويدخل عليهم القسيس الذي معه وهو عربي، فيدعو بأن يرفع الله راية المسيح على ربوع هذه البلاد، وأن ينصر أتباعه ويقهر أعداءه، ثم يطلب من الأهلين السذج أن يؤمنوا على دعائه قبل أن يباشر مداواتهم، وهم لا يفهمون من دعائه شيئاً، ثم يوزع عليهم رسائل تتضمن الدعوة إلى الدين المسيحي، فبلغ الخبر إلى الباروني في مكانه وهو مريض بالملاريا

(1)

مراسلات الباروني مع الشيخ اللمكي.

61

7.