سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٢

مسلمين و من جملة الجواسيس اتصل احدهم بالمرحوم الإمام (سالم بن راشد آل الخروصي -1913 (1919 م) (1) في أول الحرب الكبرى بصفته مهاجراً فأحسن رفادته و قربه واحترمه لغربته وأدبه ولم اطمئن سأل الإمام قائلاً: ما رأيكم فى هذه الحرب العامة، وفي الدولة العثمانية؟ فقال له: لو نجد طريقاً إلى الاتصال بها، ولو كانت تمدنا بسلاح لزحفنا بجيوشنا لنصرتها. فقال له: إذا اكتب كتاباً إلى قائد اليمن) سعيد باشا) وأنا أتعهد بإيصاله إليه فكتب كتاباً فسلمه له فذهب، وبعد مدة تحقق انه سلم الكتاب إلى دولة أجنبية وأنه جاسوس. لذا فالإمام اليوم لا يسمح لأي أوربي بالدخول إلى بلاده، و أبعد مكان يقدر الأوربي أن يصله مصحوباً بأحد من طرف مسقط هو بلدة (بوشهر)

التابعة لمسقط، أما الغريب ولو عربياً إذا لم يكن معروفاً واشتبه به فيطرد (2).

إن الحالة الصحية في مسقط عُمان غير حسنة (3)، وذلك لان الحميات كثيرة في البلاد بسبب وفرة المستنقعات حول مسقط ومطرح و في بعض الأودية الداخلية، و لفقدان الأدوية والأطباء، و لدى الأهلين أشخاص يطببونهم على القواعد القديمة، و كثير ما يستعملون الكي بالنار، لذلك عانى الزعيم الباروني وعائلته كثيراً من الم الملاريا حتى أشرفوا على الهلاك واضطرت عائلته إلى الانتقال إلى بغداد (4).

لم يدخل البلاد (سلطنة مسقط وعُمان) طبيب حذق الطب الحديث لحذرهم من الأجنبي كما أسلفنا إلا واحداً مات ضحية حبه لخدمة الإنسانية، وهذا الرجل

(1)

(1) للمزيد، ينظر: غباش المصدر السابق، ص 277 - 280 1، المصدر السابق، ص 447 - 448 (1) يذكر احد القادة البريطانيين (ديفيد سمايلي D.Smiley) وهو ممن عملوا في سلطنة مسقط وعُمان رأي (م. ع. و. س)، ج 1، ا السلطان سعيد بالتحديث في احد المناسبات قائلاً: نحن لا نحتاج إلى مستشفيات هنا فهذه البلاد فقيرة جداً ولا تستوعب سوى عدد محدود من السكان). فضلاً عن تدهور الحالة الاقتصادية وانتشار الجهل والفقر والقبلية.

J.B Kelly ،Hadramout، Oman ، Dhufar ،the experience of Revolution ، Middle Eastern studies ، vol 12، London، May 1976، P.218 :

دكتور هاريسون، رحلة طبيب في الجزيرة العربية، ترجمة: محمد أمين عبد الله، ط 2، مطابع دار جريدة عُمان. مسقط، 1989)، ص 59 - 62 (4) (م. ع. و. س)، ج 1، المصدر السابق، ص 450.

6

الفذ هو الدكتور بشير فؤاد الجمال، سوري الأصل، تعلم في المدارس العثمانية وكان أول طبيب يداوي جيش الباروني أثناء الحرب الطرابلسية سنة 1911 م. وعندما علم أن الباروني في عُمان قرر الالتحاق به و وصل مسقط واشتدت عليه حمى الملاريا، ولم يمضي أسبوعان حتى حصل له خبال و توفي هناك (1). أسست في مسقط مستشفى منتظم على النمط العصري من قبل الإرسالية الإنجيلية الأمريكانية، وأخذت باسم خدمة الإنسانية تداوي مجاناً وتعطي الأدوية مجاناً، وهي في الحقيقة تخدم التبشير أكثر من الطب، و توسلت بشتى الوسائل للدخول إلى داخل البلاد فلم تنجح، لكن الإمام بناء على إلحاح الكثيرين و شفقته على الفقراء، سمح مره للبعثة أن تأتي مؤقتاً إلى سمائل التي هي أقرب المدن الداخلية إلى مسقط، فوصلت و معها قافلة كبيرة تحمل صناديق مشحونة بالآلات والأدوية والكتب، وقدمت الحكومة لها محلاً مناسباً لتأمين غايتها، لكنها لم تقم بواجبها الإنساني أكثر من بضعة أيام ثم بدأت مهمتها التبشيرية و أخذ الطبيب يجمع المرضى و يدخل عليهم القسيس الذي معه وهو عربي، فيدعوا بأن يرفع الله راية المسيح على ربوع هذه البلاد، ثم يطلب من الآهلين السذج أن يؤمنوا على دعائه، ثم وزع عليهم رسائل تتضمن الدعوة إلى الدين المسيحي، فبلغ الخبر الباروني في مكانه، وهو مريض بالملاريا، فكتب إلى الإمام وهو في نزوى يطلب منه بإخراج البعثة من البلاد باسرع ما يمكن فصدر الأمر وأحضرت الحكومة للبعثة الإبل الكافية لحمل القالها وعادت إلى مسقط (2).

بعد فترة كتب الباروني إلى رئيس المستشفى السلطاني في مسقط قائلاً

أنه يمكن أن يقنع الإمام فيأذن برجوعه إلى سمائل ويقدر له أجرة معتدلة

(م. ع. و. س)، ج 1، المصدر السابق ص 450 - 451؛ من إعلام الفكر الاباضي المعاصر، المصدر السابق،

ص 12. (م. ع. و. س)، ج 1، المصدر السابق، ص 451

:

119

118