سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧١

أما الباروني المفكر والمؤرخ والأديب فإننا نعرف بأنه وضع كتاباً في ثلاثة أجزاء عنوانه الأزهار" الرياضية في أئمة وملوك "الإباضية" وقد أحرقت السلطات العثمانية جزاه الأول، ولم يظهر منه إلا جزؤه الثاني فقط، وقد أرخ فيه الباروني للمذهب الإباضي، ونشر جزءه المذكور في القاهرة. كما تأثر الباروني بآراء جمال الدين الأفغاني ودعوته للعودة بالإسلام إلى نبعه الأول، ولذا فإننا نراه يهتم بالقضية الإسلامية وفكرة الجامعة الإسلامية؛ وقد وصف بأنه متحرّرُ الفكر، ويأخذ بأسباب الحضارة الحديثة (1).

وأما اهتمام الباروني بالصحافة فقد أسس في القاهرة عام 1324 هـ / 1906 م مطبعة سماها مطبعة الأزهار البارونية، ثم أصدر في فترة لاحقة، في القاهرة أيضاً في أول نيسان 1326 هـ / 1908 م جريدة الأسد الإسلامي" التي كانت تصدر في أربع صفحات، ولم يصدر منها سوى ثلاثة أعداد وأغلقت بعد أن هاجم فيها اللورد كرومر. وهو شاعر أيضاً، وله ديوان شعر، وقد عقد صداقات شخصية مع الشعراء: حافظ إبراهيم وإسماعيل صبري، والأديب مصطفى لطفي

المنفلوطي

(*)

ارتحل مع ابنه إبراهيم الذي انتقل لدراسة الحقوق في جامعة بغداد ثم عُيِّن في القصر الملكي ببغداد وابنته زعيمة إلى العراق ثم إلى سلطنة عُمان عام 1924 م بعد أدائه فريضة الحج إثر تسهيلات قدمها له الشريف الحسين بن على شريف مكة، وملك العرب، وذلك رغم اختلاف مواقفهما من الدولة العثمانية ورغم انتقادات الباروني لموقف الشريف الحسين خلال الحرب العالمية الأولى

(1) الهاين، مصطفى سعد، أثر العامل الديني في الجهاد الليبي، مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي الطبعة الأولى، 1980 م، ص 15، سيشار إليه لاحقاً أثر العامل الديني.

(2) فيرو، شارل الحوليات الليبية منذ الفتح العربي حتى الغزو الإيطالي، طبعة مزيدة ومنقحة، نقلها عن الفرنسية وحققها بمصادرها العربية ووضع مقدمتها النقدية د. محمد عبد الكريم الوافي الفصل الثاني: العهد العثماني الثاني (1879) – (1912 م ملحق بقلم او غستان بيرنار المنشأة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس، الجماهيرية الليبية، 1983 م، انظر ص 742 - 743

136

والثورة العربية الكبرى، وتوسّطت له الحكومة العربية بناءً على رغبته لدى السلطات البريطانية ليزور مسقط وعُمان فوافقت له السلطات البريطانية ورحبت به الأسرة الحاكمة في عُمان، ورحب به شخصياً السلطان تيمور بن سعيد البوسعيدي ببرقية أرسلها له خلال وجوده في الهند (1) وأقام في سلطنة عُمان حتى

عام 1940 م.

توفي في الثلاثين من نيسان 1940 م في بومبي بالهند بعد وصوله إليها بقليل للعلاج، وكان بمعية السلطان سعيد بن تيمور، وكان قد بلغ السبعين من عمره، والمعروف عنه أنه أقسم ألا يحلق شعره حتى يتحرّر وطنه؛ فظل ملتزماً بقسمه وشعره مسدل على كتفيه حتى وفاته. وقد كرمته ليبيا فاستقدمت رفاته في بداية سنة 1973 م من الهند بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على وفاته؛ فدفن في احتفال مهيب في أرض الوطن الذي نذر حياته له.

كان الباروني يسعى إلى يقظة العالم الإسلامي، وتوحيد كلمة المسلمين في مواجهة الخطر الأوروبي، في الوقت الذي رأى فيه أن ولاية طرابلس الغرب أصبحت "خامدة النفوس ميتة الهمم لا حراك لها، يجول في عامرها فارس الجهل، ويرمح في خلائها جواد النهب والقلاقل لا يرى أهلها للعلم فضلاً ولا المعارف شأناً، ولا للوطن عزاً يرى المتنبه فيها معاكسة الحكومة (العثمانية) في كل مشروع سيادة، والغبي يعدها عبادة (2) فوصف حال الأمة بمرارة؛ ودعا إلى الإصلاح متأثراً بأفكار عبد الرحمن الكواكبي، مع الإشارة إلى علة التعدّد المذهبي، وكان قد تهيأ من خلال دراسته فى الأزهر والجزائر لتجاوز الانغلاق المذهبي إلى أفق الإسلام الواسع، وكان ذلك ممارساً عملياً من خلال علاقته الطيبة بالمالكية والإباضية، والتقائه مع دعاة الجامعة الإسلامية وكان يرى أن

لم تشر الوثائق البريطانية المتعلقة بسلطنة عُمان لمثل هذه البرقية؛ وإنما وردت هذه الإشارة في ما كتبته زعيمة الباروني في صفحات خالدة، ص 112 - 113. ليبيا، ص

423

137