سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٨٠

الباخرة التي تقل الحجاج العُمانيين العائدين إلى مسقط، فوصل مسقط في شهر محرم عام 1342 هـ.

لقي الشيخ الباشا استقبالا عظيما، واحتفى به العُمانيون قائد وزعيما وضيفا كبيرا، وتبارى الشعراء في الترحيب به أينما ذهب وحيثما حل وممن قال الشعر مرحبا بالشيخ الباشا الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي والشاعر أبو سلام الكندي ()، وسالم بن ناصر (2)، وأحمد بن سلطان آل سليم من مدينة دبي (3) والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (4)، وبلغ صدى ذلك الحدث التاريخي إلى أسماع الأديب والشاعر الجزائري أبي اليقظان الحاج إبراهيم الميزابي فنظم قصيدة عصماء في أمجاد عُمان ومناقب العُمانيين ().

كان الشيخ سليمان باشا يرى عُمان وطنا واجبا عليه أن يبذل في سبيله كل ما لديه من معرفة وخبرة وعلم، ورأى فيه الوطن الذي يمكنه أن يحقق فيها معاني العزة والحرية والكرامة والرفعة، فرأى فيه العُمانيون الأخ الصدوق، والناصح الأمين، فتلقوه لقاء الحبيب لحبيبه، فأخلص القول وبذل النصح، وكانت له في الإصلاح محاولات وعلى تربة عُمان بصمات، وحفظ الأرشيف العُماني صفحات ستبقى برهانا على التواصل العُماني المغاربي الذي يزداد في هذ العصر عمقا وشمولاً.

كانت تلك الزيارة حدثا مثيرا في الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي في المجتمع العُماني في ذلك الوقت وأصبحت أحداثها مثار اهتمام الباحثين في

40

(1) قال فيه 14 قصيدة، أنظر الكتاب المسمى بنشر الخزام للشاعر الغيور الشيخ ابو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي، مخطوطة مصورة بمكتبة وقف الحمراء الرقم العام (4443)، الرقم الخاص (811)، ص 20 - (2) نفس المرجع ج 2، ص 26 - 27. (3) نفس المرجع، ج 2، ص 74 - 26. (4) أبو اليقظان الحاج ابراهيم سليمان الباروني باشا وأطوار حياته، ص 15 (5) مخطوطة مصورة بها قصائد فقهية وأدبية لعدد من شعراء عُمان، محفوظة بمكتبة وقف الحمراء الأهلية) الصفحات غير مرقمة ورأيت من المناسب إلحاق القصيدة وجواب الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي عليها بهذه الورقة لأهمية القصيدتين.

التاريخ العُماني وفي سيرة الشيخ الباروني على حد سواء، فلم يكن الشيخ بالزائر الغريب، ولا الضيف الذي لا يلبث أن يغادر البلد فور انتهاء الضيافة، ولم يجد الباشا في عُمان ما خفف عنه مرارة الغربة عن مسقط رأسه ووطنه الذي جاهد من أجل تحريره واستعادة حريته وسيادته فحسب بل وجد نفسه في جزء من وطنه، فهو المسلم الذي يرى بلاد الإسلام كلها وطناً واحداً.

حرص الشيخ الباروني خلال زيارته الأولى على السياحة في القطر العُماني فبالإضافة إلى مسقط ونزوى زار الشيخ عددا من البلدان الأخرى منها. على سبيل المثال. سمائل وإزكي وبهلا والقابل، وتنوف، والحمراء موضوع هذه الورقة، ولاريب أن جولة الشيخ في بلدان عُمان شرقها وغربها لم تكن لمجرد السياحة والمتعة والضيافة، وإنما من أجل الاطلاع على أوضاع المجتمع العُماني.

يحاول الباحث الكشف عن جانب من حياة الشيخ الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية من خلال تتبع زيارته الى بلدة الحمراء الواقعة غرب مدينة نزوى، ورحلته الى الجبل الأخضر في شهر ربيع الأول سنة 1345 هـ، وما ورد عنها من أدبيات في الوثائق، وما سجله الشيخ من انطباعات عنها، مع ربطها بالروايات الشفهية التي تحتفظ بها الذاكرة العُمانية، وأخيرا الكشف عن عدد من الوثائق التي تبين حرص الشيخ على التواصل مع طلبة العلم في بلدة الحمراء بعد انتهاء زيارته لها.

ومن أبرز المصادر التي سجلت زيارة الشيخ الباروني الى بلدة الحمراء وارتقائه الجبل الأخضر: مجلة "المنهاج" التي كان يصدرها في مصر العالم العامل الداعية الكبير الشيخ أبو اسحق إبراهيم أطفيش – رحمه الله – وكتاب نهضة الأعيان" تأليف الشيخ المؤرخ أبو بشير محمد ابن العلامة نور الدين

155