الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٢يحملن جرار الماء على رؤوسهن نحو المائة يراهن الناظر كأسراب الظباء يمينا وشمالا ينادين هل من شارب ويرى الشيخ الضيف الأكواب. تلمع بسبب انعكاس الشمس. كالنجوم، فكان الموكب من أجمل ما شاهدته من المواكب".
هكذا سجل قلم الباشا تفصيل المشهد بكل تفاصيله وجزئياته، وكأنه شريط سينمائي: أصوات بنادق تتداخل معها أصوات المدافع تصم الآذان وترجف منه الأرجاء، ودخان كسحابة تلبد السماء، طرق تحفها حقول القمح والمزارع الخضراء رجال متمنطقين بالخناجر وأحزمة الرصاص وعلى أكتافهم البنادق وبأيدي بعضهم العصي الخيل العتاق والصافنات الجياد يمتطيها الفرسان كوكبة من الرجال والفرسان تقترب منهم مائة من الفتيات العفيفات يلفهن الحياء يلوحن بأواني الماء المصنوعة من الفخار، يملأن الأكواب بالماء الزلال فيأخذ الرجال تلك الأكواب التي تفيض ماء زلالا يناولون بعضهم بعضا، وبين حين وآخر تتعالى من بعضهن أصوات: هل من شارب هل من شارب؟؟ ". وفي ختام الشريط يسجل الشيخ شهادته الصادقة النابعة من القلب، قائلاً:
"فكان الموكب من أجمل ما شاهدته من المواكب" (1).
المشهد الثالث: لقاء الأحبة وحفل الاستقبال
قال الشيخ سليمان باشا وعند مدخل البساتين لاقانا العلامة بقية السلف شيخ عُمان علما وسنا الشيخ ماجد بن خميس البالغ من العمر أربعا وتسعين سنة - أي قدر عمر قطب الأئمة الشيخ أطفيش رحمه الله- " (2).
ها هو الموكب الباروني يقترب من بساتين الحمراء من نخيلها الباسقة 4 وأشجارها اليانعة، وإذا بالشيخ الكبير والعلامة الجليل ماجد بن خميس الذي جاوز التسعين عاما يأتي ماشيا الى أطراف البلد.
:
لكن الصورة لم تكتمل بعد، ولنا أن نتصور ذلك المشهد، ولو على سبيل الافتراض ها هو الشيخ الباروني يلمح من بعيد تلك الثلة من أعيان البلد في مقدمتهم الشيخ يلمحه على بعد عشرات الأمتار فلا يمسك قدميه عن الإسراع في المشي، وكأنما شيئا يجذبه، كيف، ولا أظن أن الدموع الفرحة قد سالت على خدي الشيخين أو ربما حبسهما الوقار ولسان حالهما يقول:
وأعظم ما يكون الشوق يوما إذا دنت الخيام من الخيام وينطلق الجميع وسط البساتين وتحت ظلال النخيل إلى حارة الحمراء ويخترق الموكب السكة بين البيوت الشاهقة فتطل النساء والأطفال من النوافذ على استحياء ليروا الشخصية الزائرة التي طوقت سمعتها الأرجاء. المشهد الثالث. قال الشيخ "الباشا وبعد الاستراحة أنشد الشيخ إبراهيم
المذكور ءانفا القصيدة الآتية، وذلك في يوم 14 ربيع الأولى 1344 هـ (1). ومع أن الشيخ الباروني لم يذكر مكان الاستراحة إلا أنه من المعلوم أن البيئة العمرانية العُمانية تحتوي على عدد من المرافق التي ربما توجد في بعض الاقطار الاسلامية الاخرى ولكن بمسميات مختلفة ومن تلك المرافق العامة
السبلة " فلا تكاد حارة في بلدة الا وفيها مجلس أو أكثر وهذا المجلس" السبلة
قاعة عامة مفتوحة للجميع ما تتسع لأكبر عدد من الناس يجتمع الأهالي فيها بصفة يومية وفي بلدة الحمراء يجتمعون فيها مرتين على الأقل مرة في الصبح
11
(T)
(1) سليمان الباروني باشا، ص 15. المرجع السابق
158
(1) المرجع السابق.
159