الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٥أسمى معاني التضحية، ويضرب فيها أمثلة رائعة للبطولة والصمود والمقاومة والتضامن ثم لا يجد من يطلع على روائعها ويؤرّخ لأيامها، وبخاصة مع التعتيم التام الذي ضربته الدول الاستعمارية على هذه الحرب، وتجاهل صحافتها لما يجري على أرض ليبيا من فظائع الاستعمار وبطولات المجاهدين: " وجهاد طرابلس وبرقة الذي علم العالم كله ما حصل فيه من عجائب المفاداة بالأموال والأنفس لا يجهله أحد، أما جهادهم العظيم مدة الحرب العامة وما كان فيه من خوارق العادات التي قاموا بها، ولا زال مجهولا عند العالم كله لمنع دول الحلفاء نشر أخباره في صحفهم، وكانت نتيجته اضطرار إيطاليا إلى قبول الصلح على القانون الأساسي المشهور، فسنفصل أخباره ووقائعه المدهشة تفصيلا مؤيدا بالصورة الشمسية ووثائقه الرسمية في ﴿تاريخ الحرب في طرابلس الغرب﴾ الذي نسأل الله أن يوفقنا إلى إتمامه وطبعه ليحق الله الحق ويبطل الباطل، ويخلد الأبطال طرابلس وبرقة فخرا يُضْرَبُ به المثل عند الأجيال المقبلة (1).
وقد اجتهد الباروني في جمع مادة هذا الكتاب، وحافظ على الوثائق والأضابير والمراسلات والبرقيات وقصاصات الصحف والبلاغات الحربية وصور المجاهدين واستأجر مترجمين لنقل المقالات المنشورة في الصحف الأجنبية حول الحرب إلى اللغة العربية وكل ما يتعلق بهذه الحرب بما ملأ أربع صناديق وحمل هذه الأمانة معه حيثما حل وارتحل في انتظار أن يسعفه الزمن بالجهد والوقت ليجسد مشروعه التاريخي: " وأتمنى أن يمنّ الله عليّ باستراحة البدن والقلب فأكتب تاريخ حرب طرابلس من سنة 1911 م إلى 1919 م مدللاً بالحجج الرسمية حتى ينكشف الغطاء عن كل ما كتمه أصحاب المقاصد أو زادوه مما لا أصل له (2)، لكنه قضى نحبه قبل أن يخرج هذا المشروع إلى الوجود، فتولّت ابنته نشر هذه الوثائق لكنّها كانت تفتقر بشدّة إلى صاحبها الذي كان سيبث فيها
(1) المرجع نفسه، ص 266 - 267.
(1) أبو اليقظان الحاج إبراهيم. سليمان الباروني باشا في أطوار حياته. ج 2. ص 114.