الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٦الروح وينفخ فيها من عزمه وحماسه ومشاهداته الميدانية ومشاعره الفياضة إذ
ليس من رأى كمن سمع.
ه - إحياء التراث الإسلامي
كان تأسيس مطبعة الأزهار البارونية بالقاهرة عام 1906 م مبادرة جريئة من الباروني الذي كان يتقد حماسة وحيوية، ويبحث في أجواء المتفتحة مصر عن كل فرصة تتيح له إفراغ شحناته الفكرية، وتجسيد مشاريعه الإصلاحية والإسهام في حركة النهضة التي كانت في أوج ازدهارها، وعنفوان قوتها. وقد تكبد لإخراج هذه المطبعة إلى الوجود متاعب جمة، وجمع لها التبرعات من الأهل والأصدقاء وسهر ليالي طويلة يشرف على أعمالها لتكون في مستوى آماله وطموحاته.
وقد أتاح له وجودها نشر إنتاجه الشعري والنثري، حيث طبع فيها ديوانه الشعري، والجزء الثاني من كتابه " الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية "، ثم وجه اهتمامه إلى كتب التراث وكانت موجة إحياء التراث على أشدها في أيامه وعمليات تحقيق كنوز القدماء تجري على قدم وساق بغية وصل الحبال الفكرية التي كادت تنقطع بين ماضي الأمة وحاضرها طيلة عصور الانحطاط والجمود. فرأى بنظره البعيد أن يخص التراث الإباضي بمزيد اهتمام في مطبعته، إذ كان هذا التراث مجهولا ومنسيا ومغمورا في الزوايا المظلمة بسبب الحصار السياسي والمذهبي الذي ضُربَ على أتباعه منذ القرون الأولى للهجرة، وبسبب الاتهامات المغرضة والشبهات التي أثيرت حولهم على مر العصور.
لقد كان الباروني بإحساسه الوحدوي المرهف الذي يبحث عن كل ما يمكن أن يجمع المسلمين ويسلكهم في صعيد واحد من الفكر والتوجه في ظل التسامح وأدب الخلاف العالي يهدف إلى إخراج التراث الإباضي إلى النور وعرضه على
--