الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠٥أولئك الأبطال الذين نشروا الإسلام في الخافقين و رفعوا لواءه من نهر الرون () إلى جدار الصين (1).
ثم انتقل إلى الإشادة بسيرته الجهادية، التي دامت عشرين سنة، وقف خلالها في وجه دولة عظيمة بحجم إيطاليا: "في عصر دثرت فيه معالم الجهاد و انطفأت جذوة الإسلام حتى لم يبقى منها إلا الرماد و استولى اليأس على قلوب المسلمين حتى حسبوا كل مقاومة لدولة أوروبية ضربا من ضروب الحماقة و عم الذل جموعهم الحاضر منهم والباد، وانتشر في الربى و الوهاد". فكان أحمد الشريف السنوسي الاستثناء، حيث قد أتى ببرهان ساطع و دليل قاطع على أن فئة من المسلمين في قطر لا يتجاوز عدد أهله عدة مئات من الألوف يمكنها بقوة الإرادة وثبات العزم و مضاء الصريمة (*) و إباء الضيم وترجيح المعنى على المادة وإيثار الشرف على الترف و امتلاء القلوب بالإيمان و وقف النفوس على اعتزام عزائم الإسلام أن تثبت مدة (240) شهراً بإزاء دولة عدد أهلها اثنان و أربعون مليونا مجهزة بجميع ما هي مجهزة به عظيمات دول العالم المتمدن لها من فيالق البر و أساطيل البحر و سيارات الكهرباء والمحلقات في الفضاء ما لا تملك أعظم منه دولة من الدول القاعدة في الصف الأول من ممالك
الأرض (2).
ثم تابع حديثه قائلا: أن أحمد الشريف السنوسي هو آخر مجاهدي الإسلام، بعد أن سبقه الشيخ شامل الدغستاني () الذي ظل يقاوم الروس لأربعين
(-)
نهر
الرون نهر غزير يمتد بين الأراضي السويسرية والفرنسية، يبلغ طوله (812) كم، يجتاز بحيرة ليمان ويروي جنيف وليون وفالنس وأفنيون وأول حيث يكون دلتا واسعة، ويتشعب إلى فرعين يحصران بينهما جزيرة كامارغ ويصب في المتوسط غربي مرسيليا صالح للملاحة المنجد في اللغة والأعلام، ط 40، دار المشرق، بيروت، ط. (1) لوثروب ستودارد، المصدر السابق، ص 397 - 398 (1) الصريمة أمر صريم معتزم الصريمة جمعها صرائم: العزيمة المنجد في اللغة والأعلام، حرف الصاد (2) لوثروب ستودارد، المصدر السابق، ص 398 (0) الشيخ شامل الداغستاني من زعماء داغستان، شيخ النقشبندية و قائد الثورة على الروس (1834 - 1859 م)، استسلم للقيصر إسكندر الثاني، توفي سنة 1871 م المنجد في اللغة والأعلام، قسم الأعلام
عاما، والأمير عبد القادر الجزائري (1807 م) - (1883 م) الذي حارب المحتل الفرنسي لسبعة عشر عاما، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي (1882 م - 1963 م) في الريف المغربي الذي جابه المحتل الإسباني المؤازر من المحتل الآخر
فرنسا (1).
ليصل إلى النقطة التي أثارت حساسية الشيخ الباروني، و هي قوله: "و لو لا السيد أحمد الشريف السنوسي - رحمه الله- لكانت إيطاليا استصفت قطري طرابلس و برقة من الشهر الأول من غارتها الغادرة عليهما وأننا لا نزال نتذكر كلام القواد ورجال السياسة الأوروبية عن الحملة الايطالية يوم جردتها على ذينك القطرين إذ قال بعضهم أن إيطاليا ستقبض على ناصية الأمر وتستكمل هذا الفتح في مدة 15 يوماً وقال أشدهم تشاؤما واقلهم تخيلا وتبصراً وهو اللورد كتشنر (*) المشهور أن هذا الفتح الذي يستسهله الناس على إيطاليا أمامه من الصعوبات أكثر مما يظنون وقد يستغرق ثلاثة أشهر بالأقل .... فليتأمل أولوا الألباب كيف أن هذه الثلاثة أشهر امتدت عشرين عاماً ورزأت الدولة الإيطالية بمائة و خمسين ألف عسكري قتلى عدا الجرحى وبثلاثمائة مليون جنيه من الذهب الوضاح هذا كان مجموع خسائر ايطاليا منذ سنتين حسب الإحصاءات الرسمية. وهذا كان ثمرة جهاد ذلك السيد السند ليخلص إلى نتيجة مفادها، أنه لولا السيد السنوسي، لما تمكن القائد العثماني أنور باشا أن يقوم بأي عمل يذكر، ولا الدولة العثمانية استطاعت أن تصمد في دفاعها عن طرابلس شهرا
(1) لوثروب ستودارد، المصدر السابق، ص 399. (1) اللورد كتشنر لورد هربرت 1850 - (1916 م) مارشال انجليزي، احتل أم درمان في السودان، قمع ثورة البور في الترانسفال 1902 م. لمنجد في اللغة والأعلام قسم الأعلام.
202
201