سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٠٦

واحداً. أما الشهيد عمر المختار (1858 م - (1931 م) فما كان إلا إنجازاً من انجازات السيد السنوسي وقائداً من قواده (1).

و ختم في هذه النقطة، التي تهمنا في هذا الموضوع قائلاً: " … ففضله أعظم جدا من فضل الدولة العثمانية في جهادها وإن كان فضلها عظيماً. وهو وحده كان مصدر هذه الإرادة التي أنشأت بإذن الله هذا الجهاد الطويل العريض وحفظت شرف الإسلام المعتدى عليه في طرابلس وغير طرابلس لأنه مما يجب أن لا نتمارى فيه أن أوروبا لا تعرف في ذات نفسها إلا إسلاماً واحداً أن أحمد الشريف السنوسي هو بنفسه أمة، وأن سيرة السيد احمد الشريف السنوسي هي بذاتها تاريخ … " (2).

وعلى ضوء ذلك، يظهر بشكل واضح لا يقبل التأويل، أن الأمير شكيب أرجع كل الفضل في مقاومة الإيطاليين الغزاة إلى أحمد الشريف السنوسي، مستبعداً قادة آخرين ومنهم سليمان الباروني الذي تزعم حركة الجهاد في الجهة الغربية، كاشفاً عن قدرات كبيرة في القيادة و التخطيط والقتال والعزيمة، اعترف له بها أعداء ليبيا قبل أصدقائها. وقد ذهب أرسلان كثيراً في مدح وبيان مآثر السنوسي، فجعل أعماله تماثل أعمال الصحابة الكرام والقادة العظام للأمة الإسلامية، بل واعتبر أن إيطاليا كانت ترى فيه الإسلام في حد ذاته وأنه كان

هو الأمة.

ولما وصل هذا الكلام إلى الباروني، لم يستسغه ورأى فيه محاولة متعمدة من أرسلان لتجاهل الأعمال التي قام بها من أجل صد الغزو الإيطالي عن بلاده، والأمر ذاته بالنسبة لكل من القائد أنور باشا والدولة العثمانية. في مقابل

(1) لوثروب ستودارد، المصدر السابق، ص 400. (2) المصدر نفسه، ص 401.

منح السنوسي دوراً أساسياً في الجهاد الليبي لم يقم به، لأنه كان في تلك الأثناء يقيم خارجها. وقد لمح الباروني إلى أن أرسلان ربما كانت تحركه خلفية في ذلك، تتعلق بتقديم خدمة للعائلة السنوسية التي ينتمي إليها أحمد الشريف. فنسب لهذا الأخير دور الجهاد والبطولة فى ولاية طرابلس، وهو لم يقم به (1).

لا يعرف لحد الآن السبب الذي دفع أرسلان، لتجاهل الدور الرئيسي للباروني في مسيرة الجهاد الليبي، والذي لا يختلف عليه اثنان، ويبقى ما لمح إليه الباروني آنفا سببا غير واضح، لأنه لم يتضمن و لو إشارة إلى المصلحة التي تتحقق للأمير، من وراء تجاهله لجهاد الباروني والسعي إلى إعطاء صورة مشرقة عن الأسرة السنوسية.

قد يكون من المفيد في هذه المسألة، الإشارة إلى أن العلاقة بين ارسلان و السنوسي كانت علاقة حميمية، حيث سكنا سنة 1923 م بجوار بعضهما البعض في مدينة مرسين التركية و في ذلك قال أرسلان: وكانت الحكومة التركية قد أنزلته فى دار فسيحة ذات حديقة غناء في ظاهر مرسين و جئت أنا فاكتريت دارا في البلدة و كنت أختلف إلى السيد كل يومين مرة أجلس فيها و إياه ساعات طوال في ذلك القصر المشرف على الرياض و البساتين مكان كل منا يأنس بالآخر ما لا يأنسه بأحد لما بيننا من ارتباط القلوب من قبل و من بعد وما من أحد تعمق في معرفة حقيقة هذا الرجل إلا ازداد له حرمة وقيراً. فكانت معارفة الوجوه بيننا سببا لزيادة الحرمة و تضاعف الاغتباط الصحبة و ما أمتن الوداد إذا كنت تحترم من تحبه و تحب من تحترمه (2).

انظر أبو اليقظان، المصدر السابق، ج 2، ص 196 - 198. أو ثروب ستودارد، المصدر السابق، ص 403.

204

203