الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠٧و مهما يكن فإن الأمير أرسلان، الذي شعر بأنه أغبط حق الباروني في الوحدة، وهذه الممالك التي قد مزقها الأوروبيون المستعمرون أجزاء من السنغال
خطبته التأبينية السالفة الذكر، التي كرسها لدور السنوسي في الجهاد الليبي دون غيره من الزعماء والقادة الذين استماتوا في الدفاع عن الأراضي الليبية، رغم الضعف العسكري الشديد الذي كانوا عليه، يأتي على رأسهم الباروني. قد استدرك الموقف فخط مقالا، أشاد واعترف فيه بدوره في الجهاد في طرابلس، وبكونه بأن لا أحد ينافسه في ذلك، وبأسبقيته في ذلك على الجميع في غربي طرابلس (1).
ب - القضية الثانية من المعلوم أن الأمير شكيب أرسلان، قد أصبح من المدافعين المتحمسين للوحدة العربية بعد انهيار الخلافة العثمانية التي ناصرها إلى آخر لحظات وجوده، إيمانا منه أن بقاءها رغم الضعف الذي كانت عليه أفضل من زوالها حماية للأمة العربية من المصير المشئوم الذي ينتظرها، وهو وقوع ما تبقى من بلدانها تحت السيطرة الاستعمارية الغربية
وقد كان متيقنا من نجاح مشروع الوحدة في المستقبل القريب أو البعيد، رغم المعوقات الكثيرة والجدية التي كانت تقف في طريقه: "إن الأمة العربية سائرة إلى الوحدة، مهما عارض في ذلك اللئام من أعدائها و المتفلسفون من أبنائها، و إن هذه الوحدة آتية لا ريب فيها، و لو بعد مئة سنة أو أكثر … (2). لأنه في اعتقاده أن ما يوحد العرب أكثر ما يفرقهم، وبإمكانهم أن يتوحدوا مرة ثانية تماماً مثلما حصل ذلك في العصر العباسي: فأنتم ترون أن هذا العالم العربي كله ذو منزع واحد، ولغة واحدة، وغاية واحدة، ولهذا فالطبيعة تسير به قهراً وقسراً إلى
إلى الموصل ستعود مملكة واحدة كما كانت في عهد الخلافة العباسية".
وهذا لا شك أمر اتفق فيه معه سليمان الباروني، الذي كان هو الآخر في البداية مناصراً وفياً للخلافة العثمانية، رغم المتاعب التي سببتها له وقد وصلت حد سجنه ومطاردته، لأنه كان يقدم المصلحة العليا للمسلمين على مشاكله الشخصية مع السلطات العثمانية، رغم أنه كان فعلاً مظلوماً ولم يصدر منه على الإطلاق ما يعتبر تآمرا على الخلافة، التي اعتمدت في مناصبته العداء على تقارير ووشايات خصومه وعلى رأسهم ممثلوها في الأقاليم الليبية، الذين لم يستسيغوا انتقاداته لطريقتهم في الإدارة والتسيير.
هذا و قد اعتبر سكان شمالا أفريقيا عربا؛ ففيهم من تتصل جذوره العرقية مباشرة بالجنس العربي في المشرق، ومنهم تعربوا وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية: " كذلك شمالي أفريقيا من برقة إلى السوس الأقصى بلاد فيها عرب وبربر، وقد تحقق أن قسما كبيرا من البربر هم ساميون، من أصل فينيقي، ولا يخفى أن قرطاجنة هي معمورة فينيقية بناها أهل صور، وعلى فرض لم يكن كل البربر فينيقيين، أو لم يصح كونهم حميريين كما يزعمون، فقد استعربوا الآن، وصارت ثقافتهم عربية تامة، كما أن ثقافة مصر وسورية هي أيضا عربية خالصة (1). وفعلا هذا هو الوضع العرقي، الذي كان سائدا في عصر الباروني وارسلان، ولا يزال إلى يومنا هذا.
لكن الذي أثار حفيظة الباروني، هو حديث آخر لأرسلان ورد في محاضرة ألقاها عن الوحدة العربية في النادي العلمي بدمشق يوم 20 سبتمبر
(1) أنظر أبو اليقظان المصدر السابق، ج 2، ص 196 198. (2) شكيب أرسلان: الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، ص 207.
205
(1) أحمد الشرباصي، المرجع السابق، ص 71 نقلا عن الشورى 5 مارس 1925 م.
206