سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٨

دواليبها على هواه ويفرض منطقها على الآخرين بما يتماشى ومصالحه الحيوية في البلدان الإسلامية التي كانت بالنسبة إليه بقرة حلوبا تدرّ عليه الخيرات الوفيرة والدجاجة التي تبيض ذهبا يملأ خزائنه ويمكّن له في الأرض. وقد برزت نشاطاته السياسية على عدة محاور منها:

1 - التعاون مع الخلافة العثمانية

اقتحم الباروني ميدان العمل السياسي في وقت مبكر كان فيه في أوج قوته وعنفوان شبابه يحدوه الأمل الكبير في غد مشرق لوطنه وأمته تحت راية الخلافة الإسلامية التي كان يرى فيها الحبل المتين الذي يعصم المسلمين من التردي في هاوية التمزق الذي يعمل الاستعمار الأوروبي على تجسيده في أرض الواقع على قدم وساق. فقد تم ترشيحه لانتخابات مجلس المبعوثان العثماني، ففاز بأغلبية ساحقة وأصبح نائبا عن الجبل الغربي لدى الدولة العلية عام 1908 م، فسافر إلى الأستانة، وتعلم اللغة التركية في شهرين، وتعرّف إلى رجال السياسة والفكر من العرب والترك، وشارك بقوة في أعمال المجلس، وبذل جهده في تحسين أوضاع بلاده من خلال منصبه، ولفت أنظار مركز الخلافة إلى ما يحتاجه سكان ليبيا من ضروريات تقوّي رابطتهم بدار الخلافة وتدعم علاقاتهم بها وبخاصة مع ظهور بوادر الأطماع الإيطالية فيها.

وكان شديد التمسك بنظام الخلافة العثمانية، تحدوه رغبة جارفة في إصلاحه وتدعيم أركانه وتمتين علاقات المسلمين به لأنه كان يرى بأم عينيه كيف يتجاسر الاستعمار الأوروبي على أمته المغلوبة فينتزع في كل مرة قطعة من جسمها المنهوك، ولا حل لهذا الوضع إلا بالاتحاد تحت مظلة واحدة ترد العدوان وتعيد الأرض المغتصبة، وهذا ناجم عن نظره البعيد للأمور، وحبه الكبير لأمته والذي جعله يتعالى على كل النوازع القومية والوطنية الضيقة ولا