سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١١٧

حق قدره فرصعت صدره بالنياشين المعتبرة بدون أن يسألها، أو يتصدى لها، وناهيك من رجل حاز ذلك على بعد مكانه، وقلة الوسيلة من أمير المؤمنين … فأقمت عنده ملازما مجلسه الفاخر، ثلاث سنين أيضا، أظهر رضي الله عنه- في أثنائها من الاعتناء بشأني والاجتهاد في إرشادي ما لا أقدر قيمته ببيان" (1). ومن عباراته النثرية في قصة زيارته لتيهرت

" فنزلناها، وذا هي لم يبق منها إلا آثار ورسوم وأنقاض متراكمة يجمعها الفلاحون ليحرثوا أماكنها، وبقي من سورها شيء قليل في ناحية يدل على منعته وقوته … إلى أن قال: إلى أن لاحت لي قطعة السور الباقية منه، فانتقلت إليها فإذا بها زاوية من زواياه محكمة البناء، متينة الأساس كأنها بقية برج، فاسترحت في ظلها بجنب عود من تين أو خروع عتيق، فيما أظن برهة من الزمن، أجول بفكري في أخبارها وتاريخها، وببصري في آثارها حتى أدركتني رقة لانت لها الطبيعة الجامدة والقريحة الكاسدة، فجادت بما لم يكن من عادتها قبل ذلك أن

تجود به (2).

" ثم تحولت إلى أصحابي، وعدنا إلى الجزائر، ومنها وليت وجهي نحو وطني العزيز، جبل نفوسة الشامخ العامر، فكانت لهذه الزيارة بعد ذلك رنة أطبقت آفاق تلك الجهات وبنى عليها وعلى ما عطف عليها من الوسائل حدث

صفحات الطروس، وما هو وأيم الله إلا أوهام في أوهام وأفكار كأضغاث أحلام وحيل ومراصد يتوصل بها إلى خبيث (1).

ب حواراته وخطاباته

لا يبهرنا عندما نرى أن الشخصية القيادية تتمتع بملكة الخطابة وفن الإلقاء والحوار وشخصية سليمان باشا كانت كذلك، فقد عرف عنه أنه كان خطيبا مفوها .. حفظت لنا ابنته السيدة زعيمة مجموعة من خطبه في كتابها صفحات خالدة من تاريخ الجهاد الليبي من تلك الخطب خطبة بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتولي عبد الحميد مقاليد الحكم كتبها عام 1319 هـ / 1901 م. ومما يدل على قدرته الحوارية وملكته الخطابية ما يحكى عنه أنه ألقى خطبة لمدة ساعتين يشرح فيها وجهة نظره مستدلا بالأحكام الشرعية على مبادئ الإصلاح والسعي إليه، ومبينا مضار حالة الأوضاع السيئة التي يكون عليها الحال، وكانت تلك الخطبة على مسمع من المؤيدين والمعارضين، وبين يدي مام عُمان الإمام محمد بن عبدالله الخليلي في فترة تكليفه بإصلاح أجهزة الإمامة .. وفي عُمان أيضا وتحديدا بولاية نزوى ألقى ذات مرة خطابا باهرا وقصيدة رائعة بالجامع الكبير بعد صلاة جمعة، وقد كان حاضرا عدد من رجال العلم والحرب والسياسة ورؤساء القبائل، كان ذلك في أوائل شهر ربيع الأول

أضحك وأبكى، وأمات وأحيى، وأهان وأكرم، وأذل، وأعز، وأبعد وقرب، وأسخط 1341 هـ / سبتمبر 1925 م.

وأرضى، وكان وكان وكان مما لو سطر لملأ بطون الدفاتر وضاقت دونه

وكانت له حوارات مع أمير البيان شكيب أرسلان وصفها بعض الكتاب نها ساخنة، وكانت تدور حول قضايا العالم الإسلامي ومستجدات عصره، وقد

(1) الباروني، الأزهار الرياضية، ص 356. (1) الباروني، الأزهار الرياضية، ص 357 - 359.

225

الباروني، الأزهار الرياضية، ص 361.

226