الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٣ب الإصلاح الاجتماعي:
قبل كل شيء لا بد أن ندرك أن الباروني متصف بقوة احتماله للمكاره وصبره على الشدائد وعلى الرغم من الضغوط المادية التي توالت عليه، إلا أنه كان متصفا أيضا بالقناعة بما عنده والنزاهة عن التطلع إلى ما عند غيره وعدم النظر إلى المكاسب المادية بدون استحقاقها، ومن القصص التي تؤكد هذا المعنى:
" أنه لما ضاقت عليه الأرض بما رحبت وارتحل بمن معه من الأبطال الصابرين في الجهاد إلى تونس، وجد أن الأمير عمر طوسون باشا قد أرسل إليه بستة آلاف جنيه كإعانة للمجاهدين، فلما وصلته، ردها، وقال في خطابه للأمير طوسون: لقد كنت أريد المال للمجاهدين، والآن لا جهاد فلا حاجة لي به .. لذا لا غرو ولا عجب أن تحظى شخصية الباروني بالإعجاب من قبل الساسة والمفكرين ممن عرفوه واحتكوا به (1).
في فترة 1900 - 1904 م تفرغ الباروني في عمل إصلاحات اجتماعية فجدد المسجد الكائن بمسقط رأسه جادو (2)، وبعد إنشاء المدرسة البارونية ومكتبتها تهيأت له الفرص للتدريس والإقراء والوعظ والإرشاد والتأليف (3). وفي مصر كرس جهده لخدمة وطنه وأمته، وتأثر بحركة الإصلاح الديني هناك، وقابل عددا كبيرا من زعماء الإصلاح في مصر، وخلال كتاباته وأدبياته
في المحافل الثقافية في مصر دعي إلى تأسيس حزب الدفاع عن الدين لمجابهة البدع والخرافات التي تصدر من المغرضين ضد الإسلام وأهله (1). ومن المواقف التي تسجل له أنه كان يسعى إلى ما يسعد المجتمع الذي يعيش من حوله، وإن اقتضاه الحال أن يتخلى عن المناصب التي تعرض عليه، كما يشير بنفسه في إحدى رسائله إلى أنه عرض عليه منصب من قبل إمام عمان حيث يقول: [أنه عرض علي " من قبل أهل العقد والحل في حكومة الإمام محمد الخليلي منصب عال، فاعتذرت خوفا من أن ينسب إلي التحيز، وأنا يهمني أن أبقى للطرفين السلطان (والإمام حتى أتمكن من صلح بينهما يسعد البلاد إن شاء الله (2).
ومن الإصلاح الاجتماعي: القضاء على النزاعات والفوضى ومواجهة الحروب القبلية بالصلح والقضاء على الفتنة، كما حصل ذلك في الدور الذي قام به في الجبل بين الأمازيغ والعرب، حيث قرر أن يصلح بين أبناء الوطن ويعيد الاستقرار إلى الجبل وينهي الانقسام الداخلي، فبدأ من نالوت على ما بعدها من القرى، وكان لدور الباروني أثر في نفوس الناس لما علموا عنه من إخلاص وصدق وورع، فاستطاع أن يوقف الهجمات الداخلية، واستمر في الإصلاح بين القرى حتى حكيت له المكايد من قبل أهل الفتنة لوقف مشروعه الإصلاحي قبل أن يصل إلى فساطو، كان هذا في عام 1920 م (3).
(1)
(3)
سليمان باشا الباروني، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، دار الحكمة لندن، ط 1، 2005، ص 19 من تقديم محمد الصليبي. (2) جادو: مدينة كبيرة في جبل نفوسة من ناحية إفريقية لها أسواق ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2 ص 92. الهاشمي، غاية السلوان، ص 27.
237
الهاشمي، غاية السلوان، ص 28.
أبو اليقظان الباروني باشا في أطوار حياته، ج 2 ص 14. محمد شعبان قجم، حياة الشيخ الباروني في المهجر، بحث تخرج من معهد العلوم الشرعية، مسقط، مرقون
ص 37
238