سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٣٢

توجهاته واصطبغت بها، أقواله وتميّزت بها ممارساته؛ فقد كان يعبئ القوى الروحية للأفراد قبل دخوله المعارك، وأظهر مقدرة وغيرة دينية واضحة على الإسلام والمسلمين، ليس في ليبيا فحسب، بل وفي أماكن أخرى عديدة من العالم الإسلامي، وذلك عندما هاجر بدينه مفضلا حياة التغرُّب ومشاقه على الرضوخ للأعداء (1)، رغم أنّ الرجل كان أكثر قادة الجهاد تأثرا بالمدنية وتمسكا بها وانفتاحاً عليها.

فإنّ الدارس لتاريخه يدرك خطه الديني الواضح … مما يؤكّد أثر التربية الإسلامية فيه وشدّة التزامه بما تفرضه عليه عقيدته من واجب للذب عنها وذود عن حماها، ولا عجب في ذلك، فقد درس في الأزهر الشريف وتونس والجزائر، وكان كثير الترحال (2).

تعلمه:

أخذ مبادئ العلوم عن أبيه الشيخ عبد الله الباروني (3)، ثم أكمل ثلاثة أشواط في سبيل العلم هي:-

-

الأولى: في تونس بجامع الزيتونة، يبتدئ من سنة 1305 هـ /1886 م. الثاني: في القاهرة بالأزهر من سنة 1310 هـ / 1892 م، إلى سنة

1313 هـ / 1895 م.

(1) سعد

(2)

الهاين، أثر العامل الديني، ص 28.

سعد الهاين، أثر العامل الديني، ص.

26

(3) ولد بكباو إحدى قرى جبل نفوسة، (و: 1820 م، ت: 1914 م)، وأخذ العلم عن الشيخ سعيد بن أيوب الباروني، وشقيقه عيسى، كما انتقل إلى الزيتونة بتونس (حوالي (1251 هـ / 1835 م)، لينهل من معين شيوخها، ومن أبرزهم الشيخ سعيد بن عيسى الباروني. امتاز بأسلوبه الرصين في الإصلاح الاجتماعي، وقد أوكلت إليه الدولة العثمانية مهمة الإشراف الفعلي على سكان الجبل الغربي خلال عهد الوالي مصطفى نظيف. م. أ. إ، تر: 604 وكان من الأقطاب الثلاثة من المشارقة والمغاربة الذين توفوا في نفس السنة: 1332 - 33 هـ / 1914 م، امحمد بن يوسف اطفيش بالجزائر، وعبد الله بن حميد السالمي بعمان، وعبد الله بن يحي الباروني بليبيا، وسمّي بعام الحزن عند أهل جبل

نفوسة.

الثالث: في وادي مزاب بمعهد القطب الشيخ اطفيش (1)، ببني يزقن،

ولاية غرداية، الجزائر، من سنة 1313 هـ / 1895 م، إلى 1316 هـ / 1898 م. ولنقف على بعض النماذج من أثره التربوي والإصلاحي، في كل مرحلة على حدة، ونبدأ بما بدأ الله بتونس، لما ارتحل سليمان إلى الزيتونة المعمور، للاغتراف من مناهل العرفان سنة 1305 هـ / 1886 م، كتب إليه والده عبد الله قصيدة رائعة كلّها تحريض ونصائح وتوجيهات، نقتطف منها:

تعلم بني العلم والزمه دائماً قرينا مع التقوى وفعل الأوامر فما العلم إلا كالحياة لأهله فذكرهم يبقى ولو في المقابر

فما عذر من قد حلّ تونس طالبا وفيها علوم طافحات المغادر

ثم بعد ذلك انتقل إلى الجامع الأزهر، سنة 1310 هـ / 1892 م، مكث فيها ثلاث سنين، ينهل من معين العلم النافع، ويتعرّف على الحركة العلمية والثقافية والسياسية للنهضة الشرقية ورجالاتها، مدة ثلاث سنوات.

وفي نفس الغاية يسافر غربا إلى معهد القطب بالجنوب الجزائري مزاب ويحل بها ضيفا كريما من سنة 1313 هـ / 1895 م إلى 1316 هـ /1898 م، رحب به الشيخ محمد بن يوسف أطفيش القطب، ترحيبا بالغا، وآواه مدة ثلاث سلين، تزيد أو تنقص، وكذلك عامة الناس هناك، وخصه فوق النظام العام الدراسي، بأوقات إضافية وعلوم أفرده بها، لما وجد فيه من الاجتهاد والنباهة

والإقدام.

عالم إباضي بالمغرب الإسلامي في العصور الحديثة. (و: 1821، ت: (1914 م) من عائلة شهيرة بالعلماء من بني الإسلامي، مال، تر: 864 سجن، أنشأ القطب معهدا للتدريس ببني يسجن، تخرج فيه علماء ومصلحون ومجاهدون انبثوا في أقطار المغرب والعالم

256

255