سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦١

ما استطاع به أن يضعف مقاومة المجاهدين ويشتت شملهم، فتفرقت بهم السبل، ولجأ الباروني إلى تونس حيث أسفرت المفاوضات بينه وبين الطليان على ضرورة إبعاده عن وطنه فاتجه إلى لندن التي غادرها بعد فترة وجيزة إلى الأستانة، وهناك لقي التكريم والحفاوة اللائقين بشجاعته وصموده وبطولته وفي هذه الأثناء نال لقب الباشوية، ومكث في عاصمة الخلافة يتلمس الوسائل لخدمة قضية بلاده ورفع نير الاستعمار عن أعناق أبنائها.

وبعد أن استجدت ظروف سياسية عالمية أصدرت الدولة العثمانية فرمانا بإلحاق طرابلس الغرب من جديد بالدولة العثمانية، وعاد الباروني عام 1916 م إلى ليبيا على متن غواصة ألمانية مدعوماً من الدولة العثمانية التي عينته والياً على طرابلس وقائدا عاما للجيش الليبى ليستأنف الجهاد ضد إيطاليا، فقام بتنظيمات داخلية كثيرة حيث عيّن الرؤساء والقادة والقضاة والموظفين ونشر الأمن بين الناس، وعقد مجلس صلح بين ترهونة وورفلة، وبين ورفلة ومصراتة وخفف حدة النزاع بين السويحلي والسنوسيين، كل ذلك لتدعيم الجبهة الداخلية وتوحيد الصفوف وتوجيه الطاقات كلها نحو المقاومة، واشتعلت من جديد نار الجهاد وفقد المستعمر استقراره لمدة عامين كاملين.

وبعد انهزام تركيا في الحرب العالمية الأولى في نوفمبر 1918 م أعلن الباروني ورفاقه عن تأسيس الجمهورية الطرابلسية استنادا إلى مبادئ ولسون التي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها، ودخلوا في مفاوضات مع الإيطاليين للحصول على الاستقلال، غير أن ساسة الاستعمار سعوا بين الزعماء الوطنيين بالوقيعة ونجحوا في تفتيت الجبهة الوطنية وإشعال نار الخلاف بين الأشقاء الذين دخلوا في صراع دام خلّف مئات الضحايا وتبخّر معه حلم الاستقلال، وأسفر عن نفي الباروني مرة أخرى من بلاده، فتوجه إلى إيطاليا طمعا في عدالة الوطنيين المنصفين من أصدقائه، لكنه ما لبث أن غادرها بعد أن علم بما كان

14 -