الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٢يُبَيِّت له أعداؤه من مكائد، ويتم شطر فرنسا التي فرضت عليه الإقامة الجبرية لمدة عام ونصف العام ذاق خلالها ويلات الغربة والوحدة وفراق الأهل وقلة ذات اليد بعد أن قطعت عنه تركيا مستحقاته المالية إثر الانقلاب الكمالي بدعوى أنه من بقايا نظام الخلافة البائد ولم يقدّر له الله الفكاك من الأسر الفرنسي إلا بعد أن منحه الشريف حسين ملك الحجاز إذنا بدخول مملكته لأداء فريضة الحج، فبدأ الباروني مرحلة جديدة من حياته، واضطر الفارس المغوار أن يترجل بعد أن ملاً سمع الدنيا وبصرها وأدهش أعداءه ببطولاته، وهزّ نفوسهم بإبائه وشموخه، وأبهرهم بعفته ومروءته وترفعه عن المطامع الدنيوية الفانية ورفضه خيانة بلاده مقابل الأموال الطائلة والأوسمة الرفيعة والعيش الهنيء، وكتب إلى أحد أصدقائه وهو في ديار الغربة يقول معلقا على صورة له: " ولو مدّ صاحب الرسم يده أو ألان جانبه لكان أغنى من قارون، ومع ذلك كله لم يتأثر حزنا ولم يسهر أسى وأسفًا، بل هو لم ييأس ولم يزل يقول:
يَوَدُّونَ موتي ولكنني على رغم أنفسهم لا أموت (1) وعلى الرغم من الإبعاد القسري الذي فرّق بينه وبين موطنه إلا أنه ظل يتسقط أخبار بلاده، ويتتبع تحركات إخوانه من الوطنيين الشرفاء، ويلتقط الأخبار العالمية ويبحث عن تأثيرها في قضيّة بلاده، ويعتصره الألم وتغشاه الهموم وهو يسمع أنباء القمع والتنكيل الذي يتعرض له زعماء الوطنية الليبيين على يد الاستعمار الإيطالي. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية كان يتطلع بشغف إلى كل جديد على بلاده تجد متنفسًا للتخلص من آفة الاحتلال. تقول ابنته السيدة زعيمة الباروني: " إن أبي ظل معتبرا نفسه إلى اللحظة الأخيرة مركزا للمقاومة الوطنية سلبية كانت أم إيجابية. وعلى الرغم من أن مرضه زاد عليه حتى بات لا يستطيع القيام بأعباء عمله الجليل، إلا أنه كان يستطلع أخبار الوطن دائماً، إذ
(1) مسلسلة نوابغ العرب. سليمان الباروني. رقم 13. دار العودة. بيروت. 1985 م. ص 61.