الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٣يقال: إنهما من وقت، عمرانها، والمشهور عن الغار أنه معبد لبعض الزهاد في
ذلك الوقت (1)».
وقد حاول الباروني الالتقاء به مباشرة ولكن ظروف السفر لم تسمح له بذلك، ثم تنتهي الرحلة بإنشاد قصيدة (3) يخلد فيها مشاعره الجياشة إزاء عظمة الزمان والمكان.
وتتمكن هذه المشاهد العظيمة من نفس سليمان الباروني حينا من الدهر حتى تدفعه إلى جمع تاريخ الدولة الرستمية في كتاب موسوم بعنوان «الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية طبعه في حياته سنة 1325 هـ /1907 م. ولعل أبرز هذه الرحلات رحلته التي قام بها إلى الجزائر سنة 1325 هـ / 1907 م والتي خلدها الشيخ سليمان الباروني في ديوانه (3) بقصائد كريمة وقد قدمها بهذه المقدمة قائلا: عزمت في أواخر جمادى الثاني سنة 1325 هـ على زيارة الوطن وبعد أن أزف الترحل كما قيل:
أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا
وكان قد فاجأني ما صدني عن ذلك فلويت العنان إلى مدينة الجزائر على طريق مرسيليا للسياحة فلاقيت كل ترحيب واحترام من إخواني الجزائريين مطلقا، خصوصا بني ميزاب قابضي غالب أزمة التجارة هناك. وفي أثناء السياحة نزلت بمدينة برج أبي عريريج ولم أقم فيها إلا قليلا (4)»
(1) سليمان الباروني: الأزهار الرياضية ص 404 - 405.
(2) سليمان الباروني: ديوان الباروني ص 101.
(3) سليمان الباروني: ديوان الباروني ص 137. (4) الباروني: الديوان ص 137
ثم يصف الباروني حفاوة الاستقبال الذي حظي به وتلاوم الإخوان على
کتمان حضوره خاصة عندما حضر هذا اللقاء الشاعر الشيخ عاشور (1) المنفي هناك في مدينة برج بوعريريج ووقع تبادل الشعر بينهما إلى أن قال: «ثم طلبوا مني بمكاتبة في نهاية اللطف أن أجعل مدينتهم طريقا عند رجوعي من الصحراء للذهاب إلى تونس فلبيت دعوتهم وقصدتها من الجزائر على سكة من الحديد الليلية ومعي شقيقي الفاضل الحاج أحمد فاستقبلت في المحطة جماعة وكان الثلج يتساقط بكثرة والبرد شديد جداً. وإذا بالشيخ عاشور في مقدمتهم
(2)
وفي هذه الرحلة قام بزيارة إلى وادي ميزاب يتذكر فيها مقامات دراسته وأيامها الغالية عند أستاذه الشيخ اطفيش الذي ما يزال يواصل مسيرته الخالدة مع التدريس في بني يزقن.
وقد سجل الشيخ أبو اليقظان بعضا من المواقف التي حضرها وهو تلميذ عند الشيخ اطفيش فقال: ومن ذلك ما تراءى لنا عيانا من حب الشيخ اطفيش له وعطفه الشديد له حينما زاره سنة،1325 هـ / 1907، فقد حضرنا هناك مجالسه معه ومباحثاته له في مواضيع شتى لاسيما في قضية كروية الأرض، وهو وإياه كتلميذين متحابين يتباحثان في مسألة دقيقة في مستوى واحدا تواضعا وإنصافا وصدقا وإخلاصا (3) ".
ثم يبين احتفاء وادي ميزاب وأصدقاء الباروني بهذه الزيارة التي دامت شهراً كاملاً فيقول: «وما رأيناه كذلك من احتفائه به وإكرامه له منه ومن جميع أصدقاء قطب الأئمة وتلاميذه ومريديه في قرى ميزاب مدة شهر كامل (4)».
(1) الشيخ عاشور هو قدور بن عاشور شاعر زجلي صوفي له كتاب كنوز" الأنهار في ديوان الستر والنور، توفي سنة 1357 هـ / 1938 م (عادل) نويهض: معجم أعلام الجزائر ص (212). (2) الباروني: ديوان الباروني، ص 137 (3) ابو اليقظان: سليمان الباروني، ج 1، ص 71.
(4) أبو اليقظان: نفس المرجع.
352
351