سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٩٦

سنوات من (1313 هـ إلى (1316 هـ)، كان لها الأثر البليغ في تكوينه العلمي والقيادي والثوري.

وسأحاول من خلال هذه الورقة العلمية تسليط الضوء على هذه المرحلة المباركة من حياة المجاهد الباروني في رحاب معهد القطب، مبرزا المكانة التي حظي بها لدى شيخه والتي خصه بها دون غيره من الطلبة، وأثر ذلك في حنينه إلى زيارته في مناسبتين، إضافة إلى بيان العلاقة الطيبة التي كانت بينه وبين تلامذة القطب الذين حملوا لواء الإصلاح والجهاد من بعده، من أمثال أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، والشيخ إبراهيم أبي اليقظان الذي ألف كتابا عرض فيها جوانب مشرقة من حياة الباروني، وجمع فيها العديد من رسائل الباروني ومراسلاته التي كانت بينه وبين زملائه والسلاطين والحكام، (1) الأعرج في الأخير إلى بيان أثر تكوينه عند القطب في مآثره وأعماله الجليلة التي طبعت حياته

الحافلة.

1 - علاقة العائلة البارونية بوادي مزاب عامة ويقطب الأئمة خاصة:

ينتمي سليمان باشا الباروني إلى العائلة البارونية التي استقرت بجبل نفوسة بليبيا منذ القرن الخامس الهجري، (2) هذه العائلة العريقة الضاربة جذورها في تاريخ الأمة الإسلامية عموما وجهاد أهل جبل نفوسة بليبيا، خصوصا، بثلة من الرجال الذين تصدروا العلم والإفتاء في الجبل عبر تاريخ ليبيا المجيد، وتقلدوا المناصب في قيادة الشعب الليبي للدفاع عن وطنهم وعن بيضة الإسلام، وصدق فيهم قول الله: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ

(1)

بعد

هذا الكتاب من أهم مصادر حياة الباروني لدى الدارسين لشخصيته؛ لذا فقد اعتمدت على الكتاب في معظم (2) جمعية التراث معجم أعلام الإباضية من ق 1 هـ إلى 15 هـ قسم المغرب، (ط 1؛ غرداية جمعية التراث جوانب هذه الورقة البحثية. 1420 هـ 1999 م)، رقم: 385

وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» (1). وقد وصفهم الباروني بقوله: "إن المطالع يرى سيرتهم كسيرة الصحابة والتابعين لا تعاظم ولا تكبر، مع العفة التامة والعلم الغزير والاعتناء بالدين والعدل … إن هم جلسوا للحكم عدلوا، وإن تصدروا للتعليم أجادوا وأحيوا، وإن قاموا للدفاع عن وطنهم وملكهم أبلوا ونصروا .... (2).

ترتبط أهل نفوسة بوادي مزاب علاقات نسبية وأخرى أخوية فرضتها وحدة الدين الإسلامي، وعزّزتها الرابطة المذهبية والعرقية، كما كانت بين آل بارون ووادي مزاب علاقات حميمية وعلمية تجسدت في العديد من الزيارات والمراسلات بين العائلة ومزاب في مختلف الحقب الزمنية.

فقد قدم الشيخ محمد بن زكرياء بن موسى الباروني (ت: 997 هـ / 1589 م) مؤلف رسالة نسب الدين إلى مزاب في 961 هـ، فتتلمذ على يد أبي مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي حوالي عشر سنوات، حيث عاد إلى وطنه بعد وفاة شيخه (971ھ) (3).

ولعل العلاقة الوطيدة التى كانت بين والد سليمان الباروني الشيخ عبد الله بن يحيى بن أحمد الباروني (1236 هـ / 1820 م - 1332 هـ / 1914 م)، وقطب الأئمة، سهلت سبل الابن سليمان للانتساب إلى معهد القطب. فقد كانت بينهما مراسلات وصف القطب في إحداها الشيخ عبد الله الباروني بأنه عالم وورع نفوسة (4).

ومن بين تلك المراسلات ما أورده أبو اليقظان في كتابه في مناسبتين، الأولى كانت في سنة 1299 هـ، لما أتم القطب شرحه لشرح مختصر العدل والإنصاف في

(1) سورة الأحزاب، الآية 23. (1) أبو اليقظان الحاج إبراهيم سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، (دط) المطبعة العربية - الجزائر 1376 هـ / 1965 م، 6/ 1. (1) أبو اليقظان: سليمان الباروني، 29/ 10 - 30؛ جمعية التراث مرجع سابق، 816 (4) أبو اليقظان سليمان الباروني، 34/ 1

374

373