الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٠وقد تكرر ذات الأمر معه حينما تجشم الأستاذ الصعاب من برودة الجو وظلمة الليل، لتوديع تلميذه عند خروجه من مزاب في زيارته سنة 1907 م، وقد سرد الباروني ما حدث مقدرا موقف أستاذه بقوله: أوعز إلي الأستاذ الأكبر قطب الأئمة شيخي الحاج محمد بن يوسف أطفيش إنه سيرافقني إلى محطة غارداية ليلة رجوعي من مزاب إلى الجزائر سنة 1325 هـ، فعظم علي الأمر نظرا لمقامه العالي فرأيت أن أقابل ذلك ببعض أبيات في حقه أقدمها له عند حضوره، ثم لما حل السفر وكان البرد شديدا والليلة غير مقمرة والمحطة بعيدة ذهبت إليه مع جماعة من الوجهاء وسألناه أن لا يكلف نفسه الخروج من محله وبعد أخذ قبلنا منه الوصول إلى باب المدينة فكان ذلك " (1).
ورد
وقد أيد القطب تلميذه سليمان الباروني في ثورته ضد الاستعمار الإيطالي على ليبيا بجمع الأموال، وكان يشفق على الباروني وجنوده في ثغور المعركة خلال الحرب ويتحسر على حالتهم، ويدعو له ولجنوده بالنصر والغلبة، ويطلب من طلبته تكثير الدعاء لهم والإلحاح فيه، (2) وذكر أبو اليقظان أنه كثيرا ما يكون في وسط الدرس وقت الهجيرة فيتوقف فجأة ويتنفس الصعداء ثم يقول لتلاميذه: إن الشيخ سليمان الباروني وأبطاله الآن في حالة الجهاد في هذا الحر الشديد والعطش والماء الكدر الحار والجوع والأكل الخشن بين كثبان الرمال ومقابلة الرصاص بصدورهم من بنادق ومدافع العدو، ونحن في ظل ظليل في الماء البارد والأكل الشهي الهنيء والراحة التامة بالقيلولة في الدهاليز الباردة؛ أولا نعنيهم ولو بالدعاء فهلموا بنا ندعو الله لهم بالحفظ والنصر والعون والتأييد (3).
ه - رحلة الباروني إلى تيهرت وتأثره بآثار الأئمة الرستميين رغب الباروني استغلال فترة تواجده بمزاب وقربه من مآثر الرستميين فطلب من شيخه مرارا أن يأذن له بزيارة أطلال عاصمة الرستميين بتيهرت - تيارت حاليا، لكن القطب كان يرفض كل مرة ويماطله قصد استكمال التلميذ لمعلوماته (1).
وفي سنة (1316 هـ - 1898 م) أذن له في ذلك، انتقل الباروني إلى الجزائر ومنها إلى مدينة تيارت بمعية بعض الأصدقاء، ولما نزل تيهرت القديمة لم يجد منها إلا الآثار والرسوم والأنقاض المتراكمة، وشيئا من سورها المنيع. والذي أصبح مزارا للمزابيين المقيمين في تيارت آنذاك.
وقد بدا تأثر الباروني بالغا بما آل إليه هذا البناء المتين والصرح المخلد لتاريخ الإباضية المجيد، فأدركته رقة لانت لها الطبيعة الجامدة والقريحة الكاسدة فقال وقلبه في حسرة وانكسار والدمع من عينيه يدمع (2):
قفا نبك أطلالا تقلص ظلها ونندب آثار الذين بقوا ذكرا بني رستم من قام بالعدل ملكهم فأمست بهم تيهرت كالروضة الزهرا (3) وكان لزيارته تلك الأثر الطيب على تأليفه لكتاب الأزهار الرياضية، الذي خصص جانبا منه للحديث عن الأئمة الرستميين، كما أتحف ديوانه بالعديد من الأشعار المخلدة للذكرى (4).
(T)
(1) زعيمة سليمان الباروني: صفحات خالدة من الجهاد، (دط) مطابع الاستقلال الكبرى، 1974 م، ص 90. دبوز نهضة الجزائر، 332/ 1 (3) أبو اليقظان، سليمان الباروني، 72/ 1.
381
(1) المصدر نفسه 7049/ 1
(2) الباروني: الأزهار الرياضية، 406 - 408. (3) سليمان بن عبد الله الباروني: ديوان الباروني، (دط) مطبعة الأزهار البارونية - مصر، 1326 هـ)، 101 - 103 (4) أبو اليقظان: سليمان الباروني، 49/ 1، 70
382