سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٥

أثر قطب الأئمة في تكوين شخصية الباروني

عمر القطب قرنا من الزمن، فكانت حياته حافلة، خلف إثرها تراثا ضخما، عجز المعاصرون عن حصره؛ ناهيك عن الإلمام بمضمونه ومحتواه. واجتمعت فيه خصال قل ما تجتمع في شخص.

ولما علم القطب أنّ سبب تدهور أوضاع المجتمع، وتحكيم وطأة الاستعمار المقيت عليه هو الجهل، وأنّ أي تغيير لابد أن يكون مبنيا على أسس علمية، أدرك أنّ المسؤولية ملقاة على عاتقه؛ نظرا لقلة العلماء في عصره، فجعل الاشتغال بأمور المسلمين من أولوياته وتصدى للإصلاح الاجتماعي والتجديد واتخذ القطب لتحقيق ذلك وسائل متنوعة أهمها:

1 - التأليف: الذي كان يراه أحسن وعاء لحمل أفكار الإصلاح، وضمان استمرارية النهضة الفكرية التي يقودها، فكان - رغم عوزه - يبذل النفيس لاقتناء أي كتاب يسمع به، إما عن طريق الحجاج الميزابيين، أو بتأجير من ينسخها له من أهل البلد الذي يوجد فيه الكتاب، فكوّن مكتبة حوت على نفائس الكتب في زمانه. ساعدته على تكوينه العصامي والتأليف كما خصص للتأليف أغلب أوقاته، فكان لا ينقطع عنه، حتى في سفره وهو راكب على دابته (1).

- التدريس: حاول القطب العناية بالشباب وتسليحهم بالعلم، الذي يعتبر أحسن وسيلة للنهوض بالأمة وتخليصها من ربقة المستعمر، فأنشأ لذلك معهده، وقام بتصدير هذه المزايا لتلاميذه الذين تخرجوا من معهده وحملوا لواء الجهاد والإصلاح في مختلف الأقطار، وكان من بين هؤلاء الذين تأثروا بشخصية أستاذه؛ الشيخ سليمان الباروني، ويتجلى ذلك من خلال الأعمال الجليلة الآتية:

(1) أبو اليقظان: ملحق السير، (مخ)، 55/ 2

1 - مقاومته للاستعمار:

لا يخفى على كل دارس لتاريخ الباروني أن أهم مراحل حياته كرسها في الدفاع عن وطنه، وحمل لواء الجهاد بالسيف والقلم؛ لتخليص بلاد الإسلام من ربقة الاستعمار، فلم يستكن لمحاولات النيل من عزيمته هو وجنوده. فقد حاولت الدولة الإيطالية أن تستميله إليها بشتى الوسائل والإغراءات المادية، لما قويت شوكته، وكبر شأنه واستطاع أن يضم تحت لوائه المجاهدين من سائر بلاد ليبيا الغرب، فلم يغنها ذلك شيئا، رغم الظروف الصعبة التي مر بها والاضطهاد الذي مورس عليه، وتخلي الخلافة العثمانية عنه في أحلك الأوقات (1).

من ذلك أنه لما نزل بتونس ساومه الإيطاليون في ترك الجهاد وعدم التدخل في شأن طرابلس مقابل مبلغ مالي لكنه أبى ذلك ورفض الطلب (2) وقال في إحدى رسائله: " إن حكومة إيطاليا تحققت نزاهتي وعفتي من زمن الحرب التركية فلم تتجاسر على مخاطبتي في شأن الرشوة كما فعلت مع غيري؛ لأنها لما أشارت إلي ذلك في بعض مكاتباتها الأولى التي أجبت بأنني أنا ورجالي لا نرضى إلا بالموافقة على الاستقلال الذي تفضل به علينا السلطان، وإلا فإننا سندافع عنه إلى أن تغلبنا القوة ونخرج من أوطاننا … (3). 2 - اشتغاله بالتأليف:

إن المشاغل العديدة والأسفار والمحن التي مر بها، والتنقلات بين مختلف البلدان، والمناصب التي تولاها في العهد العثماني، وكذا عند نزوله في سلطنة عُمان لم تثن من عزيمة الباروني في التصدي لمهمة التأليف التي اعتبرها من

(1) أبو اليقظان: سليمان الباروني، 107/ 1، 108 (3) زعيمة الباروني، صفحات خالدة، ص 467. (1) أبو القاسم الباروني: حياة سليمان الباروني (مقدمة أبي إسحاق)، 13؛ أبو اليقظان: سليمان الباروني، 61/ 1.

392

391