الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٧الذين لجأووا إلى الحجاز لأنه كان يعلم علم اليقين أن هذه الحركات الانفصالية التي يغذيها الاستعمار الأوروبي إنما تهدف إلى تفتيت الكيان الإسلامي وتوزيعه غنائم باردة على القوى العالمية.
وقد عبر صديقه الحميم إبراهيم أبو اليقظان عن مشاعره الفياضة تجاه الجامعة الإسلامية بقوله: " له نظر واسع لسعادة الإنسانية عموماً، وإلى عزة الإسلام خصوصاً، وإلى إعلاء كلمة الله بوجه أخص، وله اعتزاز كبير بالقومية الإسلامية، ورأي عمومي لمصالح المسلمين، وشغف عظيم بالاتحاد الإسلامي إلى حد الفناء فيه دون اعتبار لأي جنس، وكانت سياسته دائما في الجمع لا في التفريق، وفي التكتيل لا في التبديد (1).
4 - الإسهام في تنظيم الدول الإسلامية وإصلاحها
ومن جملة نشاطاته السياسية التي برزت بوضوح في مناسبات عديدة موهبته الفذة في تنظيم الدول وتسييرها. وأكثر ما ظهر ذلك في عُمان فقد أتاحت له إقامته بعمان وتعظيم السلطان والإمام له ورغبتهما الملحة في الاستفادة من علمه وخبرته الواسعة في إصلاح أحوال السلطنة أن يظهر قدرته الفائقة على إدارة الدولة وتنظيمها، فوضع برنامجا حكوميا رائعا للنهضة بالبلاد في جميع القطاعات الحيوية، فنظم الجيش والمالية والتعليم والصحة (2) وكان يرى أن صلاح هذه المرافق هي القاعدة المتينة لبناء دولة عصرية قوية، غير أن الرواسب الثقافية القديمة التي كانت طاغية على عقليات الأعيان ورؤساء القبائل وأصحاب رؤوس الأموال كثيرا ما وقفت عقبة كؤودا أمام كثير من المشاريع والبرامج المسطرة وأخرت تنفيذها، بالإضافة إلى الوعكات الصحية التي كانت تصيب الباروني فتجمد نشاطاته وتؤجل إنجاز إصلاحاته، غير أن هذا لا ينفي
(1) أبو اليقظان الحاج إبراهيم سليمان الباروني باشا في أطوار حياته. ج 1، ص 63. (1) المصدر نفسه، ج 2. ص 44.
42