الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٩- أن من أبرز الصفات التي ميزت شخصية الباروني طوال حياته النضالية وطبعت مواقفه في كل الظروف والمناسبات هي شموخه وأنفته وتعاليه على المساومات والإغراءات ورفضه القاطع لكل أشكال المداهنة والتزلف حتى وهو في أوج، محنته، إذ كان رأسماله كرامته ومبدؤه اللذان كان يستسهل التضحية بحياته في سبيل الحفاظ عليهما. وقد سجل له التاريخ مواقف في غاية الروعة والجلال منها رفضه لكل مساومات الاستعمار الإيطالي لوقف الحرب والدخول في مفاوضات على الرغم مما بذله له الضباط الطليان من الوعود بالمنصب الرفيع والأوسمة والأموال، وهذا الرفض هو الذي أثار حنقهم فجندوا للقضاء عليه وعلى إخوانه المجاهدين قوة عسكرية ضخمة مسلحة بالمدافع الثقيلة وأحدث الأسلحة، ومنها أيضا رفصه لمبلغ مالي ضخم تبرع به أحد الضباط المصريين بعد هزيمته أمام إيطاليا في معركة جندوبة ولجوئه إلى تونس فأعاده إلى صاحبه وقال له أنه كان في حاجة إلى هذا المال لدعم حركة الجهاد أما الآن فلا حاجة له به مع أنه فقد كل ما يملك في هذه الحرب، ومنها موقفه من الشريف حسين ورفضه مبايعته بالخلافة كما أسلفنا مع أنه كان في حاجة ماسة للتحرر من الأسر الفرنسي وغيرها من المواقف العظيمة التي تجعلنا ننحني أمام هذا الرجل
الكبير.
- أن الباروني قد أبان منذ صدر شبابه عن قدرته الفائقة على قيادة الناس، وتنظيم الجموع، وإقناع المتحاورين، وتوجيه الجهود، واستقطاب الطاقات واستغلالها أمثل استغلال، حيث تجمعت فيه كل المقومات والعناصر التي تجعل منه زعيما محبوبا تمنحه الجماهير ثقتها العمياء ولا تستنكف أن تسير وراءه عن رضى وطواعية.
- أن من أبرز مظاهر شخصيته الثرية ذات الأبعاد الكثيرة جمعه في تناسق عجيب بين النشاط العلمي الكثيف والمستمر والذي لم ينقطع حتى وفاته
-44