بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٣كتاب الطهارة / الغسل
153
وسبب اختلافهم الاحتمال الذي في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (190)، هل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟ ثم إن كان الطهر بالماء؛ فهل المراد به طهر جميع الجسد أم طهر الفرج؟ فإنّ «الطهر» في كلام العرب وعرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه الثلاثة المعاني. وقد رجّح الجمهور مذهبهم بأنّ صيغة التفعل إنّما تنطلق على ما يكون من فعل المكلّفين، لا على ما يكون من فعل غيرهم، فيكون قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم والأظهر يجب المصير إليه حتى يدلّ الدليل على
خلافه (191).
ورجّح أبو حنيفة مذهبه بأن لفظ «يَفعُلنَ» في قوله تعالى: {حَى هو أظهر في الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض منه في التطهر
يطْهُرْنَ) (192) ه
بالماء (193). والمسألة كما ترى محتملة.
ويجب على من فهم من لفظ الطهر» في قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ معنى واحدا من هذه المعاني الثلاثة أن هذه المعاني الثلاثة أن يفهم ذلك المعنى بعينه من قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، لأنّه ممّا ليس يمكن أو مما يعسر أن يجمع في الآية بين معنيين من هذه المعاني مختلفين حتى يفهم من لفظة «يطهرن»: النقاء، ويفهم من لفظ «تطهرن»: الغسل بالماء على ما جرت به عادة المالكيين في الاحتجاج لمالك، فإنّه ليس من عادة العرب أن يقولوا: لا تعط فلانًا درهما حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد فاعطه درهما، بل إنّما يقولون: وإذا دخل الدار فاعطه درهما، لأنّ الجملة الثانية هي مؤكّدة لمفهوم الجملة الأولى. ومن تأوّل قوله تعالى: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ على أنه النقاء،
)